نوع جديد من ''الإخوان المسلمين'' في مصر

تاريخ النشر: 04 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

القاهرة - (و ن ل) - بدأت المعركة الانتخابية المصرية بإطلاق شعارات صاخبة: "الإسلام هو النور والقرآن هو الدستور " فقد تجمع بضع عشرات من النشطين التابعين لتنظيم الأخوان المسلمين، في إطار الحملة التي ينظمونها للفوز بمقاعد نيابية عن دائرة القلعة التابعة للإسكندرية، وهم ينضحون ثقة وتحديا، حتى بعد عقد من الملاحقة التي قامت بها ضدهم أجهزة السلطة التي جمدت نشاطهم السياسي في مصر. 

عدد المشاركين في الحملة أقل بكثير مما كان عليه في الأعوام الماضية، لكن رسالتهم ولهجتهم ما زالت على حالها منذ وقت طويل. 

ما جديد مرشحي الأخوان؟ جيهان حلفاوي المتحدثة اللبقة البالغة من العمر 48 عاما، أم لستة أبناء، تقف لتتسلم الميكروفون، تعرّف عن نفسها وعن رمزها الانتخابي وهو الفنار، صوتها بالكاد أن يُسمع على رغم مكبر الصوت. إنها المرة الأولى التي يرشح فيها الأخوان المسلمون في مصر امرأة لمقعد في الانتخابات النيابية التي بدأت وتستمر في الشهرين المقبلين. 

وتقول حلفاوي: "ربما لدى الغرب اعتقاد بأن الإسلام لا يمنح المرأة حقها في الممارسة السياسية، لكن هذا الاعتقاد مغاير للحقيقة. النساء شاركن في الحروب في ظل الإسلام..ولهن دور في صنع القرارات الدينية والقول للناس ما هو صحّ وما هو خطأ، لكنهن لم يضطلعن دائما بدور في المجال السياسي وفي مجلس الشعب. من هنا وجب توضيح ماهية دورهن السياسي إلى جانب الرجل، فقد بات عليهن أن يصبحن جزءا من صنع القرار لأنهن شريكات في هذه الأمة." 

من الناحية الواقعية، تقدم الأحزاب المصرية نوعا من التملق الكلامي للنساء عندما يتعلق الأمر بالمساواة السياسية المتكافئة بين الرجل والمرأة، وقليلون هم الذين يترجمون ما يقولون إلى أفعال. الرئيس حسني مبارك أنشأ هذه السنة المجلس الوطني للمرأة برئاسة زوجته سوزان مبارك لتشجيع النساء على خوض غمار الحياة العامة، لكن الحزب الديمقراطي الوطني الحاكم لم يدرج على لائحة مرشحيه للانتخابات سوى 11 امرأة من أصل 444 مرشحا (أكثر بأربع مرات من عدد المرشحات في الانتخابات السابقة). أما الأخوان المسلمون فمن أصل 70 مرشحا، وحدها جيهان حلفاوي هي المرأة بينهم. 

ولم يمر هذا الاختيار بلا جدل. فعلى رغم أن حلفاوي كانت شاركت بقوة في الأعمال الاجتماعية وتلقت شهادة في الفقه الإسلامي قبل نحو عامين من جامعة الأزهر العريقة التي مضى عليها أكثر من نحو 1000 عام، فإنها لم تنخرط مباشرة في السياسة من قبل. ويرى البعض في الحركة أن زوجها ابراهيم زعفراني الطبيب الشهير وأحد قادة الأخوان المسلمين في الإسكندرية، هو الذي حضها على الترشيح للانتخابات، لأن الحركة شعرت بأن هناك حاجة لامرأة مرشحة." 

وعلى رغم أن حلفاوي سيدة متفوهة، فهي لا تشعر تماما بارتياح مع دورها الجديد، فبعد الخطابات التي يلقيها ممثلو الأخوان المسلمين، يتعين عليهم القيام بجولات في الجوار، وتقوم مع زوجها وحليفها في الدائرة الانتخابية، وكلاهما من قدامى المحاربين في تنظيم الأخوان بمباغتة محلات الجزّارين والحلاّقين لمقابلة الناس وجها لوجه،و هي تختصر ما أمكن لأنها لا تحبّذ المقدمات الطويلة، وتعود على الفور إلى للتحدث مع مجموعة نساء عائدات إلى منازلهن ومعهن أكياس من السمانة، ويقعن تحت المفاجأة عندما تتحدث إليهن سيدة حسنة المنطق، تلبس مثلهن منديل رأس رماديا متواضعا، بدلا من الثياب الغربية الطراز التي ترتديها نساء العائلات المصرية المترفة. ولا بد من أن يتولد نتيجة هذا اللقاء نوع من التماسك والترابط العاطفي، وهذا الجانب يجعل عيني جيهان حلفاوي، وهي تبتعد عن النساء، ترغرغ بدمع الفرح. 

وتوضح قائلة: "داخل الدائرة الانتخابية، النساء شديدات التواضع. ما يطالبن به هو تزفيت الشارع وإنشاء مدرسة لأطفالهن ومستشفى ومركزا للشرطة إنهن بسيطات ولكنهن على قدر من الذكاء. إنهن يعرفن تماما ماذا يردن." لكن المرشحة للانتخابات تحض ناخبيها على الإبقاء على الجانب الثقافي المحافظ، وتقول: "تشريعات العمل لا تميز بين رجل وامرأة، على رغم أن موجبات النساء في المجتمع تختلف عن موجبات الرجال. إننا نطالب بالتحقيق في فقرات يمكن أن تضاف إلى القانون لمساعدة المرأة على الاضطلاع بواجباتها تجاه أسرتها من دون أن يكون ذلك على حساب واجباتها في ميدان العمل، فتتمكن بذلك من الإمساك بزمام الأمور في العائلة ومحاربة الفساد الاجتماعي." 

إدراك "الأخوان المسلمين" لحاجات الفقراء واستخدامهم الشعارات الإسلامية في هذا المجال، ساعدهم كثيرا على مدى 78 عاما من تاريخهم. وعلى رغم حظر تنظيمهم رسميا وتعرضهم للقمع غير مرة، ما زالوا يشكلون الحركة الجماهيرية الأكبر في مصر، وقبل عشرة أعوام، تمكن "الإخوان" بعدما تحالفوا مع حزبي العمل والأحرار من السيطرة على أوسع جبهة معارضة داخل البرلمان، وسيطر "الإخوان" على الحياة السياسية في الجامعات والنقابات المهنية. وتقدم الجمعيات الخيرية والعيادات المجانية التابعة لهم خدمات لملايين الفقراء. 

لكن نجاحهم قاد إلى فرض إجراءات صارمة عليهم، فقد اتهمتهم السلطات بدعم حملة مسلحة ضد الحكومة ينظمها المتطرفون والجماعات الإسلامية الأصولية، وتمت محاكمة نحو 61 شخصا من أكثر القياديين نشاطا في مجال السياسة بتهم سياسية أمام محاكم عسكرية، وحُكموا بعقوبات بلغ بعضها السجن لمدة خمسة أعوام. وتلقّى زوج حلفاوي عقوبة بالسجن مدتها ثلاثة أعوام، وفي العام 1995، لم يتمكن سوى مرشح واحد من التنظيم من الوصول إلى سدة البرلمان. ومنذ ذاك الحين كان التنظيم يقوم بعمل صامت ولا يعقد تجمعات كبيرة، أو ينظم حملات خيرية واسعة، أو يقيم مآدب للفقراء في عيدي الأضحى والفطر. 

لكن الأيام الجارية شهدت أوسع تظاهرات منذ خمسة أعوام لتأكيد حضور "الإخوان" في الشارع، سبعون مرشحا عنهم يخوضون الانتخابات. من الناحية التقنية، هم مستقلون..وحزب العمل الذي لجأ إليه البعض، تمّ حظره أخيرا، لكن اللافتات التي عادت إلى الظهور مجددا على الجدران في الأحياء الفقيرة في مختلف أنحاء مصر، والتي تحمل شعار الإخوان المسلمين "الإسلام هو الحل،" هي دليل واضح على أن الحركة ما زالت ناشطة. 

وتتهم الحكومة "الإخوان" باستغلال الدين من أجل تحقيق نصر سياسي. وكتب في هذا الصدد أيمن أبو النجا رئيس تحرير إحدى المجلات الموالية للحكومة ما يأتي: "علينا توخي الحذر من عدو لا يمكن الاستخفاف به، وهو النزعة الإسلامية. إنهم يستعدون باكرا، يجولون في الدوائر الانتخابية بعد صلاة الفجر، والمسجد هو مقرهم الرئيسي لنشر دعايتهم الانتخابية." 

 

ليست الحكومة هي وحدها التي تبدي قلقا من شعبية الإخوان المسلمين. فإضافة إلى النساء والعلمانيين، يتخوف المسيحيون غالبا، من احتمال فوز "الإخوان." ففي العام 1996، على سبيل المثال، نُقل عن المرشد الأعلى للجماعة مصطفى مشهور قوله إن المسيحيين في دولة الإسلام المثالية لن يُسمح لهم بالانخراط في الجيش خشية أن يرتكبوا فعل الخيانة في حق الدولة لمصلحة أبناء دينهم من الأجانب. أما الأحزاب غير الدينية ولا سيما منها حزب اليسار فوقفت على الحياد في الوقت الذي كان فيه الأخوان المسلمون يتعرضون للهزيمة. أصحاب النظريات طالما جادلوا بأن الإخوان المسلمين يمكن أن يؤيدوا الانتخابات البرلمانية خطوة نحو انتزاع السلطة، لكن متى وصلوا إلى السلطة، فإنهم سرعان ما يسعون إلى إقامة دولة تيوقراطية.  

غير أن "الإخوان" ما برحوا يكررون إنهم ملتزمون التزاما كاملا الديمقراطية البرلمانية وحقوق جميع المواطنين. ويشير مراقبون إلى أنه مهما كانت الأفكار التي قد يتبناها المرشد مشهور البالغ من العمر سبعين عاما، فإن من يسيطر على الحركة الآن هو جيل من الشباب، عمل إلى جانب المرأة والعلمانيين، ويعرف كيف يقوم بتحالفات ويزدهر في جو من التعددية. ويقول علي عبد الفتّاح وهو مرشح آخر عن تنظيم الأخوان المسلمين في الإسكندرية إنه حاول أن يجعل محاميا مسيحيا يخوض المعركة إلى جانبه. لكن المحامي انسحب بحجة ارتباطه بالتزامات أخرى. ويؤكد عبد الفتاح أنه نجح في إقناع الكهنة المسيحيين المحليين بالسماح له بالتكلم في كنائسهم، ليشرح لرعاياهم كيف أن الإخوان المسلمين يعتبرون المسيحيين كالنساء، "أي شركاء كاملين في الدولة." 

ومع ذلك واصلت الحكومة حالة تأهب، ففي الجهة المقابلة من المكان الذي كانت حلفاوي تتحدث فيه، كانت أربع شاحنات من فرقة مكافحة الشغب في وضعية استنفار. ويقول الإخوان المسلمون إنه إذا ما ارتفعت حشود الناس، يتدخل رجال الأمن ويدعون الجميع إلى العودة إلى منازلهم. وقد أعلنت الحكومة المصرية الأحكام العرفية قبل نحو 20 عاما، ووجدت أن الأمر مناسب لإلغائها، وتالياً إن أي تجمع لأكثر من خمسة أشخاص يُعدّ عملا غير مشروع.  

وقامت الشرطة بدوريات قبضت أثناءها على عدد من عناصر "الإخوان" وأوقفتهم بلا محاكمة، وهو إجراء آخر من ضرورات حالة الطوارىء. واستنادا إلى منظمة العفو الدولية، فإن نحو 150 شخصا من تنظيم الإخوان المسلمين موقوفون من دون محاكمة منذ نهاية آب (أغسطس) الماضي. وربما هناك نحو مئة آخرين أوقفوا منذ ذلك الحين، بمن فيهم مدير حملة حلفاوي ومسؤول الإعلانات. وتوضح جيهان حلفاوي قائلة: "الأسباب الكامنة وراء هذه التوقيفات معروفة تماما، فالهدف هو وضع ضغوط على الحملة الانتخابية وعلى الناس من أجل ترهيبهم. وهذا يدل على أن هذه الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة." لكن حتى لو لم يتم تخويف الناخبين فإن من السهل على المرشحين الذين تدعمهم الحكومة أن يزوِّروا. فمراقبو الانتخابات الأخيرة التي أًجريت العام 1995، تحدثوا عن أعمال رشوة على نحو واسع واستخدام أصوات الموتى، وزج أوراق إضافية في صناديق الاقتراع، في وقت لجأت فيه الشرطة إلى غض الطرف عما يحصل إن لم تشارك في بعض أعمال التزوير.