خالد أبو الخير
احتفى الشعر والأدب، مذ كان، بالموت، تماما كما احتفل بالحياة.
بل ذهب افلاطون إلى تعريف الفلسفة بأنها "انشغال عظيم بالموت".
الموت حق، و"كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام". والمؤمنون جميعاً يفكرون في الموت ويتذكرونه، لأنه مقصد الحياة والغاية التي سنصلها جميعاً.
وقف الانسان امام الموت موقف الارق، وشغل تفكيره هذا النقيض للحياة، وهو موقف العجز امام ارادة الله القاهرة.
فجلجامش الذي أفزعه موت صديقه انكيدو، ملك اورك، في الاسطورة الرافدية القديمة، رثاه اياماً حتى خرج الدود من جسده، وايقن انه آيل الى ذات المصير، فمضى باحثا عن الخلود، رافضاً نصيحة "سيدوري" بأن عليه ان يتمتع بحياته حتى تأتي ساعته، مواجها الاخطار في طريقه.
لكن مسعاه للخلود يبوء بالفشل، حين تأكل الأفعى نبتة الخلود التي عثر عليها في البحر بمساعدة "اوتنانبشتيم" بطل الطوفان". ويعود الى مدينته مكسور الخاطر عازماً على عيش حياته حتى تلك اللحظة التي لا ترد.
ويبدو أن طلب الخلد غير محصور بجلجامش، بدليل هذه الابيات التي تنسب الى الامام علي "كرم الله وجهه":
سل الايام عن أمم تقضت، ستنبيك المعالم والرسوم
تروم الخلد في دار الدنايا، فكم قد رام غيرك ما تروم
تنام ولم تنم عنك المنايا، تنبه للمنية يا نؤوم.
وللبيد بن ربيعة، أحد شعراء المعلقات، ابيات في ذات المعنى، تتضمن الاستسلام للموت:
تَمَنّى ابنَتَايَ أنْ يَعيشَ أبُوهُما وهلْ أنا إلاَّ من ربيعة َ أوْ مضرْ
وكثيرا ما تأمل الشعراء والفلاسفة في الموت، ودعاهم الى اخذ العبرة، وصوغها في حكم هي اصدق ما في الشعر، فليس اصدق من موقف يواجه فيه كل انسان، شاعر او غير شاعر، مصيره المحتوم. ولطرفة بن العبد شعر جميل لا شك قاله بعد تأمل في هذه الحياة:
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة.. وما تنقص الايام والدهر ينفد
ويلخص الشاعر عبيد بن الابرص المسألة بالغياب الذي ليس مثله غياب، حين يقول في معلقته:
وكل ذي غيبة يؤوب.. وغائب الموت لا يؤوب
كما ادرك الشاعر القديم ان لكل شيء دواء يستطب به الا علة الموت، فاعلن استسلامه امام ما قهر الله به عباده. ومن ذلك قول ابو ذؤيب الهذلي:
واذا المنية أنشبت اظفارها.. ألفيت كل تميمة لا تنفع
وايقن الشاعر أيضا ان الموت لا يحتاج الى سبب ليطال الانسان، وإن كل ما قد يفعله في سبيل تفاديه لا قيمة له، حتى لو صعد الى السماء او احتمى في الحصون.. كقول زهير بن ابي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه، ولو رام أسباب الراء بسلم
وبيت الشعر المنسوب الى ابن نباتة السعدي:
من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعدد الاسباب والموت واحد
وبدا للشاعر ان الموت لا شك واصله، لا يتأخر عن موعده قط، كقول عروة بن الورد:
فإن فاز سهم للمنية لم أكن جزوعاً وهل عن ذاك من متأخر.
ومثله قول عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني اصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فاجبتها إن المنية منهل، لا بد ان اسقى بكأس المنهل.
أما أروع ما قيل في الموت، من وجهة نظري، ما قاله عبيد بن الابرص لابنه حار:
يا حار ما راح قوم ولا ابتكروا إلا والموت في اثارهم حادي
يا حار ما طلعت شمس ولا غربت الا تقرب اجال لميعاد.
ولطرفة بن العبد، الذي كاد يكون اكثر الشعراء الجاهليين تعلقاً بفكرة الموت في اشعاره واوسعهم تأملا كونياً، أبياتاً غير مشهورة تصف الموت باعتباره رفيق الحياة الدائم.. يقول:
أبني البناء، ولا ادري أأسكنه .. أم لا، لكني ارجو فابنيه
من كان في سفر فالموت صاحبه، ومن كان في حضر بالموت يأتيه
وإن مضى خمسة فالموت سادسهم وإن مضى واحد فالموت ثانيه.
ما كان بواردي ان اتحدث عن شعر الرثاء، بيد اني تذكرت قصيدة مميزة لشاعر رثى نفسه، هو مالك بن الريب، المجاهد الذي قضى ابان احدى الحملات في زمن الامويين في اواسط اسيا عند مدينة تدعى "مرو" بعد ان لدغته افعى، فأملى اصحابه ابياتها التي اختم ببعضها، وهي بحق خير ما اختم به:
ولمّا تراءتْ عند مَروٍ منيتي
وخلَّ بها جسمي، وحانتْ وفاتيا
أقول لأصحابي ارفعوني فإنّه
يَقَرُّ بعينيْ أنْ (سُهَيْلٌ) بَدا لِيا
ويا صاحبَيْ رحلي دنا الموتُ فانزِلا
برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا
وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيِّئا لِيَ
السِّدْرَ والأكفانَ عند فَنائيا
وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعي
ورُدّا على عينيَّ فَضْلَ رِدائيا
ولا تحسداني باركَ اللهُ فيكما
من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا
خذاني فجرّاني بثوبي إليكما
فقد كنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا
وقد كنتُ عطَّافاً إذا الخيل أدبَرتْ
سريعاً لدى الهيجا إلى مَنْ دعانيا
يقولون: لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونني
وأينَ مكانُ البُعدِ إلا مَكانيا
غداةَ غدٍ يا لهْفَ نفسي على غدٍ
إذا أدْلجُوا عنّي وأصبحتُ ثاويا
ولا تَنْسَيا عهدي خليليَّ بعد
ما تَقَطَّعُ أوصالي وتَبلى عِظاميا.
أخيراً، روي عن الفيلسوف الساخر برناردشو قوله حينما بلغ الثالثة والتسعين من عمره: (إن الموت يطرق الباب، وهو ضيف لا أرفض الترحيب به).
ولـ"فنكشتاين" الفيلسوف النمساوي الذي حظي بقليل شهرة، عبارة تلخص الكثير، إذ يقول: "الموت حادثة ليست في الحياة". وهي كلمة حق، فمن الصعب ان نتحدث عن الموت ما دمنا في الحياة.