كيف تحدد ال 1000 يوم الأولى من حياة الإنسان قابلية السمنة مدى الحياة؟
تُعد السمنة من أكثر التحديات الصحية تعقيدًا في العصر الحديث، إذ لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل تنشأ نتيجة تفاعل بين الجينات والعوامل البيئية ونمط الحياة. تشير الدراسات العلمية إلى أن الجينات تساهم بحوالي 40 بالمائة من خطر الإصابة بالسمنة، إلا أن هذا لا يفسر الصورة كاملة، حيث تواجه البحوث ما يُعرف بـ"مشكلة الوراثة المفقودة"، لأن الجينات المكتشفة حتى الآن لا تفسر سوى جزء محدود من الاستعداد الوراثي الكلي للمرض.
تقول الدكتورة سهيلة الخضر، مدير في إدارة صحة الأم والطفل والباحث الرئيسي بمختبر الميكروبيوم واكتشاف المؤشرات الحيوية، في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر:" تلعب الجينات دورًا مهمًا في السمنة، ولكنها ليست العامل الوحيد، هناك سمنة متعددة الجينات ناتجة عن تغيرات في مئات الجينات تؤثر على الشهية وتخزين الدهون، وسمنة أحادية الجين بسبب طفرة واحدة نادرة غالبًا ما تسبب سمنة مبكرة وشديدة، والنوع الثالث سمنة تلازمية ضمن اضطرابات وراثية أوسع."
تلفت الدكتورة إلى أن الميكروبيوم المعوي، وهو مجموعة تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، يؤثر في كيفية امتصاص الجسم للمغذيات وتنظيم مستوى السكر في الدم، وهو عامل أساسي في تطور السمنة.
تضيف أن تركيبة هذه الميكروبات تؤثر في استخلاص الطاقة من الطعام وتنظيم الشهية والإحساس بالشبع، إضافة إلى الالتهاب المزمن ومقاومة الأنسولين، مشيرة إلى أن هذه التركيبة تتأثر بالنظام الغذائي، والأدوية، والاستخدام المبكر للمضادات الحيوية، وطريقة الولادة، والرضاعة الطبيعية، فضلًا عن العوامل الوراثية، ما يجعل الميكروبيوم حلقة وصل حيوية بين الجينات والبيئة.
وقد ربطت العديد من الدراسات بين التغيرات في تركيب ميكروبيوم الأمعاء وزيادة الوزن والالتهاب.
في هذا الإطار، تقول الدكتورة الخضر: "تم الحصول على الأدلة الأولى من دراسات علمية أجريت على فئران خالية من الكائنات الدقيقة، حيث أظهر نقل الكائنات الدقيقة النوعية من فئران تربّت بشكل تقليدي إلى فئران خالية من الجراثيم، أن الميكروبات المعوية يمكنها تضخيم إنتاج الأنسجة الدهنية لدى الفئران المتلقية، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الدهون في الجسم ومقاومة الأنسولين على الرغم من انخفاض تناول الطعام".
أضافت:" كما أثبتت الدراسات أن أمعاء الأطفال المصابين بالسمنة تحتوي على تركيزات أعلى من فيرميكيوتس وتركيزات أقل من بكتيروديس، وهما نوعان مختلفان من البكتيريا في الأمعاء." تُعد فيرميكيوتس وبكتيروديس من أكثر المجموعات البكتيرية شيوعًا في الأمعاء، حيث ارتبط ارتفاع نسبة الأولى بانخفاض كفاءة حرق الطاقة وزيادة تخزين الدهون.
تشير الدكتورة إلى أن الباحثين اكتشفوا قدرة ميكروبات الأمعاء على التأثير المباشر في تراكم الدهون، من خلال إنتاج أحماض دهنية قصيرة السلسلة، وهي مركبات تساعد في تنظيم الشهية وتحسين حساسية الأنسولين، في حين تسهم أنواع أخرى من البكتيريا في زيادة امتصاص السعرات الحرارية. وتؤكد أن توازن الميكروبيوم يتكوّن تدريجيًا خلال الألف يوم الأولى من الحياة، متأثرًا بطريقة الولادة ونوع التغذية وبيئة الطفل، موضحة: "هذا التوازن المبكر يحدد ما إذا كان الجسم سيطوّر بيئة ميكروبية صحية تحمي من السمنة أو بيئة مضطربة تزيد خطورتها مستقبلًا." تضيف:" أظهرت الدراسات أن زيادة نسبة الفيرميكيوتس إلى بكتيروديس ترتبط بزيادة الوزن والسمنة كما أن انخفاض تنوع الميكروبايوم يرتبط بخلل أيضي، لقد تم فحص حوالي ستين بحثًا جديدًا وتكشف تحليل شامل حديث للميكروبيوم المعوي أن شعبة البروتيوبكتيريا هي الأكثر إرتباطًا بالسمنة."
انطلاقًا من هذه النتائج، تؤكد الدكتورة الخضر أن الوقاية تبدأ مبكرًا، فتعزيز تنوع الميكروبايوم منذ الطفولة المبكرة من خلال الرضاعة الطبيعية والتغذية السليمة للأم والطفل قد يحمي من هذا الخلل لاحقًا. تشير إلى أن التفاعل الوثيق بين الجينات والميكروبيوم يبلغ ذروته خلال الألف يوم الأولى من الحياة، معتبرة أنه أحد أهم المحددات للقابلية المستقبلية للسمنة أو الحماية منها. يمكن استنتاج وجود علاقة تفاعلية ثلاثية الأطراف بين الجينوم البشري وميكروبيوم الأمعاء والعوامل البيئية، حيث يؤثر التركيب الجيني في نوع الميكروبات التي تستوطن الأمعاء، بينما تقوم هذه الميكروبات بدورها بتعديل وظائف الجينات وآليات الأيض، في حين يعيد نمط الغذاء والحياة تشكيل الميكروبيوم باستمرار.
في هذا الإطار، ترى الدكتورة أن استهداف كل من الجينوم والميكروبيوم معًا، عبر ما يُعرف بالتعديلات اللاجينية، قد يمثل مفتاحًا فعالًا لعلاج السمنة مستقبلًا. ومن خلال التعديلات اللاجينية، وبالتالي فإن استهداف كل من الميكروبايوم والجينوم معًا يمكن أن يمثل مفتاحًا فعالًا لعلاج السمنة.
كما تسلط المتحدثة الضوء على إمكانية استخدام تركيبة الميكروبيوم كمؤشر حيوي لتقييم خطر السمنة، إذ قد تتنبأ أنماط الميكروبات في مرحلة الرضاعة بزيادة الوزن لاحقًا. توضح، في سياق حديثها عن المستقبل، أن علاجات السمنة الشخصية
القائمة على بكتيريا الأمعاء بما في ذلك التغييرات الغذائية، والبروبيوتيك، والبريبيوتيك، أو مزيج منها تُعد مجالًا سريع التطور، مما يُتيح برامج تغذية ونشاط بدني مُخصصة تُحسّن النتائج وتقلل من الانتكاس.
رغم هذه الآفاق الواعدة، تُشير الدكتورة إلى أن مناهج الطب الدقيق تواجه تحديات مثل ارتفاع تكلفة الاختبارات، ومحدودية الخبرات المتخصصة، وصعوبة دمج بيانات الميكروبيوم في الممارسة السريرية الروتينية.
تخلص الدكتورة الخضر إلى أن التحديد المبكر لعوامل الخطر الأيضية يُمكن أن يدعم استراتيجيات الوقاية المُستهدفة، وتدعو إلى إجراء دراسات في قطر باستخدام تقنيات علم الجينوم المتعدد والذكاء الاصطناعي لفهم أفضل لكيفية تفاعل علم الوراثة والنظام الغذائي والميكروبيوم في تطور السمنة.
خلفية عامة
مؤسسة قطر
تأسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995 بمبادرةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر بهدف تنمية العنصر البشري واستثمار إمكاناته وطاقاته.
توجّه مؤسسة قطر اهتماماتها إلى ثلاثة مجالات هي التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، كونها ميادين أساسية لبناء مجتمع يتسم بالنمو والإستدامة، وقادر على تقاسم المعارف وابتكارها من أجل رفع مستوى الحياة للجميع. تُعد المدينة التعليمية أبرز منجزات مؤسسة قطر وتقع في إحدى ضواحي مدينة الدوحة، وتضمّ معظم مراكز المؤسسة وشركائها.