مؤسسة قطر تبرز أهمية التعليم متعدد اللغات خلال مؤتمر "ثُنَائي" بمناسبة اليوم الدولي للتعليم 2026
بمناسبة اليوم الدولي للتعليم 2026، ناقش خبراء وأكاديميون أهمية التعليم متعدد اللغات ودوره في بناء جسور معرفية وثقافية تربط بين الماضي والمستقبل، وذلك ضمن فعاليات مؤتمر "ثنائي".
ويأتي هذا المؤتمر، الذي عُقد في فندق ماندارين أورينتال، في إطار الفعاليات التي نظمها التعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر، احتفالًا بهذا اليوم الذي يؤكد على أن التعليم حق ومسؤولية للجميع. وقد تناول المؤتمر أهمية نماذج التعليم ثنائي اللغة التي تتبنى منظورًا عالميًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تجذّرها في الهوية الثقافية واللغوية.
وكان من بين المتحدثين روبرتـــو فيليبـــــــي، وهـو أستاذ في معهـد التربيـة بجامعة "كلية لندن"، ومؤســس ومديــــر مختبـر اللغـات المتعــددة والإدراك. وناقشت الجلسة إمكانية النظر إلى لغات الطلاب بوصفها موردًا معرفيًا وتربويًا يُبنى عليه تصميم عملية التعلم، بدلًا من اعتبارها تحديًا يحتاج إلى إدارة.
في حديثه بعنوان: "لغات مشتركة وعالم سريع التغيّر"، أوضح البروفيسور فيليبي أن تعدد اللغات يدعم إذكاء التفكير المرن واليقظة المعرفية لدى المتعلمين، الأمر الذي ينعكس داخل البيئة المدرسية من خلال تعزيز شعور الطلاب بجدوى المشاركة والرفاه النفسي والإنجاز الأكاديمي والانتماء.
في هذا الصدد، قال البروفيسور فيليبي: "إن النشأة في بيئة متعددة اللغات تنعكس بشكل مباشر على التعلّم، حيث يتمتع الأطفال بقدرة أفضل على ضبط الانتباه والتركيز. ويُسهم تعدد اللغات في تعزيز الإدراك على المدى الطويل، الأمر الذي يطوّر الجوانب اللغوية وغير اللغوية على حد سواء. في عالمنا اليوم، بات التعدد اللغوي حالة طبيعية، لا استثنائية".
وقد أشار البروفيسور فيليبي إلى تصورات مغلوطة حول تعدد اللغات ما زالت شائعة إلى يومنا هذا، إذ يتردد بعض الآباء في تعليم أطفالهم لغات متعددة اعتقادًا منهم بأن ذلك قد يسبب إرتباكًا في الدماغ أو يؤخر النمو. وأوضح مُردفًا: "لا تقتصر تداعيات هذه المفاهيم الخاطئة على التعلّم وحده، بل تمتد لتطال الثقافة والهوية والثقة بالنفس والعلاقات الأسرية والعلاقات مع الأسرة الممتدة، فضلًا عن المسار المهني في المستقبل. فالتعدد اللغوي استثمار حقيقي وليس مخاطرة".
وفي جلسة بعنوان "توجيهات ورؤى من تقرير دول الخليج حول التعليم متعدد اللغات"، استعرضت فريـــدة أبو دان، رئيس قطاع التعليم في مكتب اليونســـــــــكو الإقليمــــــي لدول الخليــــج، وخبيرة في التعليم والتنمية الــــــــدولية، أبرز النتائج التي تسلط الضوء على المشهد اللغوي الفريد في منطقة الخليج، والسياسات والممارسات القادرة على المساهمة في مواجهة التحدي المزدوج المتمثل في الحفاظ على اللغة العربية بوصفها حجر الزاوية الثقافي، مع ضمان إتقان الطلبة للغات أخرى.
وقالت أبو دان: "على الرغم من أن العالم يضم ما يقارب سبعة آلاف لغة سواء أكانت محكية أم معتمدة على الإشارة، لا يزال نحو 260 مليون طالب يتعلمون بلغة لا يفهمونها، في حين لا تُستخدم في التعليم عالميًا سوى نسبة محدودة جدًا من اللغات، ما يعني أن أقل من عشرة في المائة من التنوع اللغوي العالمي ممثَّل في أنظمتنا التعليمية".
وأضافت: "يعكس التنوع اللغوي الذي نشهده اليوم في المدارس، بما في ذلك في الدوحة ومختلف أنحاء قطر، واقعًا تعليميًا غنيًا يتحدث فيه الطلاب عشرات اللغات، ما يستدعي أن تكون النظم التعليمية قادرة على دعم اللغة الأم، وفي مقدمتها اللغة العربية، مع تسهيل الانتقال السلس والفعّال إلى لغات أخرى".
واختتمت بالقول: "عند النظر إلى الممارسات الصفّية وتجارب المتعلمين في هذه المنطقة، بما في ذلك مدارس مؤسسة قطر، يتضح بجلاء تنامي تنوّع الطلاب واحتياجاتهم التعليمية، وهو واقع يتعامل معه المربّون يوميًا".
كما شهد المؤتمر مشاركة ممثلين عن مبادرة "بالعربي" التابعة لمؤسسة قطر، والتي تسعى إلى تعزيز اللغة العربية والحفاظ عليها من خلال إبراز وتوسيع نطاق الأفكار والقصص ذات الصلة من مختلف البلدان الناطقة بالعربية. فبعنوان: "هوية راسخة وتعليم متجدد"، ناقش فريق "بالعربي" كيف يمكن للتعليم اليوم أن ينطلق من جذوره الثقافية واللغوية والإنسانية ليبني هوية قادرة على حفظ الذاكرة دون أن يحولها لماضٍ جامد.
وبهذا الشأن، قال الدكتور سعيد إسماعيل، أستاذ في برنامج علوم الجينوم والطب الدقيق لدى جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر: "لقد أهمل البعض التاريخ والتراث وألقى باللوم على من بقي عالقًا في ماضيه. وهذا هو ما أعنيه ب"التصحيح المجحف"".
وأضاف: "لا تعش في الماضي فتنسى الحاضر ولا تهمل التاريخ أو تلوم من يتغنى به. فلكل شجرة جذور لا تنفصل عنها ولا تنمو إلا بها. لذلك، علينا دائمًا أن نستحضر ما أنجزناه في ماضينا".
بدوره، أشار فداء الدين يحيى، مؤثّر يمني على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أهمية تعرّف الطفل على هويته في أولى مراحله العمرية بقوله: "يتعرف الطفل على هويته ويجيب عن سؤال "من أنا؟" خلال مراحله العمرية الأولى. فالإنسان الذي لا يملك إجابة عن هذا السؤال، يسهل تلقينه إجابة من الخارج. لذلك، أكبر مجازفة يتعرض لها الطفل العربي المسلم ليس التأخر في تعلّم مهارة أو ضعف في لغة معينة، بل اختراق هويته التي يصعب استرجاعها".
واختتم فدا حديثه بقوله: "الطفل الذي يضيع في سؤال "من أنا؟" سيبقى يبحث عن الإجابة في المكان الخطأ".
بالتزامن مع مؤتمر "ثنائي"، تضمن احتفال مؤسسة قطر باليوم الدولي للتعليم 2026 مؤتمر" تكافؤ"، الذي يعكس التزام مؤسسة قطر ببناء نظام تعليمي شامل يوفّر لكل طفل فرصًا متكافئة لتحقيق كامل إمكاناته. وشارك في المؤتمر البروفيسور السير باري كاربنتر، أستاذ أول في الصحة النفسية في التعليم بجامعة أكسفورد بروكس بالمملكة المتحدة. كما ضمن المؤتمر سلسلة من المحاضرات والمناقشات الجماعية حول التنوع العصبي واحتياجات التعليم المتخصص، بمشاركة نخبة من الخبراء الدوليين.
وقد عُقدت هذه الفعاليات ضمن برنامج أوسع لليوم الدولي للتعليم 2026، نظمه التعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، تحت شعار: "التعليم مسؤولية الجميع".
خلفية عامة
مؤسسة قطر
تأسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995 بمبادرةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر بهدف تنمية العنصر البشري واستثمار إمكاناته وطاقاته.
توجّه مؤسسة قطر اهتماماتها إلى ثلاثة مجالات هي التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، كونها ميادين أساسية لبناء مجتمع يتسم بالنمو والإستدامة، وقادر على تقاسم المعارف وابتكارها من أجل رفع مستوى الحياة للجميع. تُعد المدينة التعليمية أبرز منجزات مؤسسة قطر وتقع في إحدى ضواحي مدينة الدوحة، وتضمّ معظم مراكز المؤسسة وشركائها.