مقاربة واعية للأخبار: ما السبيل لتجنب فرط المعلومات والقلق الناجم عن ذلك؟
خلال فترات الصراع، وفي ظل تسارع الأحداث وتواصل الأخبار العاجلة بلا توقف، قد يجد الكثير منّا أنفسهم عالقين بين شاشات الهاتف والتلفاز لمتابعة مستجدات الأخبار. ومن المفارقات اللافتة للنظر أن البعض يظن أن أفضل وسيلة للتخفيف من القلق هي استهلاك المعلومات بشكل متواصل ومن مختلف المصادر الممكنة.
ومن الملاحظ أن هذا السلوك المتمثل في التعرض المفرط للأخبار قد يأتي بنتائج عكسية. فعلى الرغم من أنه يمنح شعورًا مؤقتًا بالارتياح، غير أنه يفاقم في الوقت نفسه الإحساس بالإرهاق النفسي. وهنا تبرز أهمية العادات الصحية للتعامل مع الإغراق المعلوماتي.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة عفاف أصغر، أخصائية علم النفس السريري في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر: "يحاول دماغنا أن يبقى على اطلاع ومعرفة بكل جديد، مع الشعور بالأمان. غير أن استهلاك المعلومات بشكل مستمر وعشوائي قد يفضي إلى إنهاك عاطفي. نتيجة لذلك، من المرجح أن نواجه صعوبة الكف عن إيقاف موجة التفكير التي قد تجتاح عقولنا، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى الكورتيزول والأدرينالين حتى في غياب تهديد مباشر لنا".
وفي معرض تطرقها إلى عادة غير صحية تراها تتكرر باستمرار، لفتت الدكتورة إلى أن "معظمنا يتصفح الهاتف قبل النوم، وهذا أسوأ وقت للقيام بذلك. فهذا لا يضعف قدرتنا على النوم فحسب، بل يؤثر أيضًا في جودة النوم، ما ينعكس بدوره على قدرتنا على ضبط مشاعرنا، ويدخلنا في حلقة مفرغة".
ولا تُعدّ الرغبة في البقاء على اطلاع بكل مستجد خلال أوقات الصراع من العادات النادرة؛ بل إن متابعة قنوات التواصل الرسمية والالتزام بالضوابط الوطنية تبقى أمرًا ضروريًا لا سيما في الأوقات الصعبة. غير أن الدكتورة أصغر توضح أن هناك فرقًا بين متابعة المعلومات بوعي وبين إرهاق الدماغ في خضم كمٍّ هائل منها.
وأضافت: "النقطة الأساسية هي أن نبقى على اطلاع من دون أن نسمح لمشاعرنا بالسيطرة علينا. فالتفاعل الهادف ينشّط وظائف التحكم التنفيذي بدلًا من استجابة الدماغ للتهديد، وهو ما يساعد على التقليل من مظاهر الإجهاد العاطفي".
وقدمت الدكتورة أصغر عددًا من التوصيات لفرز المعلومات والتركيز على ما هو مهم ومرتبط بالواقع المباشر، حيث قالت: "من أبسط الاستراتيجيات أن تسأل نفسك: لماذا أتابع هذه المعلومة؟ ما الذي أحتاج إلى معرفته الآن؟ هل يتعلق الأمر باتخاذ قرار، أو بالعمل، أو بالسلامة، أو لمجرد الاطلاع؟".
كما أكدت على أهمية تبنّي عادات صحية منتظمة، من قبيل متابعة المعلومات في أوقات محددة، مع تجنب ذلك قبل النوم بساعة إلى ساعتين على الأقل، وحصر مصادر الأخبار في الجهات الموثوقة. وأضافت قائلةً: "إن وضع الحدود يساعد على تنظيم الانتباه والتخفيف من حدة التوتر والإرهاق الناجم عن التعرض المستمر للمعلومات".
ولمواجهة القلق الذي يسببه فرط المعلومات، نصحت الدكتورة أصغر بتنظيم الجهاز العصبي من خلال التنفس البطيء والحركة وتمارين التأريض، وذلك بهدف الحفاظ على القدرة على التكيف والصمود.
وأبرزت أنه "من المهم السعي لتحقيق التوازن بين العادات والمسببات المزعجة وبين الأنشطة التي تمنحنا شعورًا بالسيطرة والارتياح، مثل ممارسة الرياضة والصلاة والتواجد في الطبيعة. عزّز علاقاتك بالآخرين، وتحدث معهم، واقضِ معهم بعض الوقت".
إن الحفاظ على هذه العادات يساعد على تجنب الإرهاق العاطفي ويقلل من انتشار الذعر والمعلومات الخاطئة. وأشارت الدكتورة أصغر إلى أن الشعور بعدم اليقين في أوقات الصراع يمكن أن يؤثر في القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والأخرى المضللة.
وأوضحت أن الشعور بعدم الأمان أو الارتياح يجعل عقول الناس تميل إلى التسرع في إصدار الأحكام والتفسيرات بدل الدقة في معالجة المعلومات.
وأضافت أن "هذا الميل يجعل الأشخاص أكثر عرضة لتصديق المعلومات التي تعزز مخاوفهم أو شعورهم بالإلحاح. ونتيجة لذلك، يتفاعلون عاطفيًا وينشرون المعلومات بسرعة، أحيانًا حتى قبل التحقق منها".
وحال حدوث ذلك، توصي الدكتورة أصغر بتقبّل فكرة أنه لا يمكن الإحاطة بكل ما يجري حولنا، والتريث في مشاركة أي معلومة، علاوةً على الاعتماد على عدد محدود من المصادر الموثوقة وذات المصداقية.
وخلصت الدكتورة إلى ضرورة تجنّب المحتوى المتكرر غير الموثوق به، أو الانغماس في التعليقات المرتبطة به. ولفتت إلى أنه ينبغي التعامل مع ذلك بشكل ذكي من منطلق طرح أسئلة بسيطة حول مصداقيته ومصدره. ويبقى أن المقاربة الواعية للتعامل مع مثل هذا المحتوى تساعد كثيرًا في الفصل بين الانفعال الشديد والدقة في نقل المعلومات.
خلفية عامة
مؤسسة قطر
تأسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995 بمبادرةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر بهدف تنمية العنصر البشري واستثمار إمكاناته وطاقاته.
توجّه مؤسسة قطر اهتماماتها إلى ثلاثة مجالات هي التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، كونها ميادين أساسية لبناء مجتمع يتسم بالنمو والإستدامة، وقادر على تقاسم المعارف وابتكارها من أجل رفع مستوى الحياة للجميع. تُعد المدينة التعليمية أبرز منجزات مؤسسة قطر وتقع في إحدى ضواحي مدينة الدوحة، وتضمّ معظم مراكز المؤسسة وشركائها.