ضجيج لا يمكن سماعه، يحيل المخيلة البصرية إلى فوضى في غرفة ضيقة، تنكفئ جدرانها على ذاتها.. أو هكذا يريدها محدثوها؛ منسابة، لكنها صاخبة.. ركام من الصور التلفزيونية يسهل تمرير الأفكار من خلاله، ليصبح المجتمع رهين الصرعة الدارجة.. كأزمة مالية تودي بكل شيء قبل أن توقع الدمار، إلى الحداد الأممي على وفاة ملك البوب؛ الرجل البين بين، وحتى الهلوسة الجماعية من فكرة تقمص الخنزير لفيروس يدخل بقبلة تقتل صاحبها.
تجعل هذه القرقعة اليومية من مخيلتنا مستودع ذاكرة قابل للفرمتة، ويصيّر استحواذ الصورة، الحدث مادة معنوية معلبة وجاهزة للاستهلاك الذهني، دون أن يتكلف المشاهد عناء تحليله وفكفكة أجزائه، حتى تتطور القضية وتصبح فانتازيا محسوسة تضع الأساس لخلق اتجاهات المستهلك قبل أن يقرر ما الذي سيشتريه في اليوم التالي، أو يعتنقه، أو يتخلى عنه..
وفي الصورة السينمائية، تخلق كتيبة من السفاحين المفترضين، المبرر لنجم إسبرطيا الأمريكية (رامبو)، وهو يواجه من جديد بشاعة نظام جريرته أنه يعارض واشنطن، ليصور المخرج جيش بورما في هيئة حيوانية تبيح كل شيء، لكن المشهد لا يعكس همجية حكومة رانجون، بقدر ما يقدم المذبحة للمشاهد كترفيه يمكن مقايضته، لتتحول الكذبة إلى العمل الأكثر مبيعا في شباك التذاكر.
أفلام إبادة يقاتل فيها الأمريكي الذي لا يقهر من أجل رسالة إنسانية تجيز كل شيء طالما أن الهدف أسمى من نحصي عدد الأشخاص الذين يستحقون حكما عابرا بالإعدام.. أو حربا تؤجج الكراهية لخصم لم يخلق بعد، أو صورا نمطية مرعبة تشبع رغبة قبيحة تطلب المزيد من الدماء بدعوى الإبداع في أقبية المنازل المسكونة.
ويتخذ هذا الواقع من الفوضى المرئية في المشهد الإعلامي، أو الدراما، وفي الإعلانات التجارية، أداة التأثير التي تجعل من قناعات المشاهد فقاعات ما أن تنشأ حتى تتلاشى في تسارع يُفقد القدرة على التأمل؛ إيمان مطلق بفكرة يتبعه إيمان آخر وهكذا، على مدى ساعات التلقين التلفزيوني.. وجلبة يصعب رصدها بالأذن المجردة، ولا تدع مجالا للتفكير العميق، بل تطلق الحواس البشرية مشتتة، وتأسر المشهد إلى أقصى حد، وتدفع إلى إجهاز جماعي على الوقت.
ويتحول المجتمع البشري بفعل الصورة، إلى آلة لجز العشب، يلفظ الأوراق الخضراء في كل الاتجاهات، وعقل عاجز عن الإبحار بمخيلة ذاتية أو اتخاذ المبادرة، تاركا قراره لمدّعي الاختصاص الذين يمارسون عنه الاختيار، ويخلقون له الذائقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فيضع هؤلاء البنية التحتية للرأي العام بحسب مؤشر الحالة الراهنة، كي تضحد حقيقة واقعة، أو تزركش زعما يمكن تمريره وسط الجلبة لأهداف غيبية تحرك جموع القطيع في مظاهرة، أو تحدد لهم أصواتهم في انتخابات رئاسية أو برلمانية، أو تسوّغ لهم جريمة باعتبارها مقاومة، أو تجرّم فعلا وطنيا بدعوى الإرهاب.. وهكذا يصبح كل شيء قابل للتأويل..
ويتشكل الانطباع في الفترة الوجيزة التي يأخذ فيها المتابع نفس النرجيلة، في قهوة مكتظة بالرجال والجدال، أمام شاشة بلازما عملاقة، تومض تارة بوجه المذيعة الحسناء تستجوب ضيفا منحازا وغاضبا، أو كليب غنائي رخيص يتلوى مكتوم الصوت، أو ملعب عشبي يغري بالهتاف.
وما أن ينفث المتابع ما في صدره من دخان النرجيلة.. حتى يدخل ثمانون مليون شخص في حيرة.. من البديل؟ ويبحثون عنه في شاشات التلفزيون، أو مسلسل الأخبار للأزمة النووية بين إيران والغرب.. أو يُستبعد الناخبون من الخلاف العبثي على الأصوات في المجلس التشريعي، وتصبح المصالحة رهينة المحاصصة، ونسأل أين الناخبين..؟ ويهتف صوت بشرعية الانتخابات، فيختلف الجميع على إجرائها.. ويموت الشعب من أجل أن تحيا الديمقراطية والتسوية السلمية وكل القيم النبيلة، ونسأل أين القضية؟ هل هي في تصريح سياسي نسمعه للمرة الألف، ونعيد رص كلماته بحسب التاريخ الميلادي، أم مباراة كرة قدم مصيرية تستأثر بما تبقى من غضبنا، لتفرّغه في انفعال عفوي لانجاز ضائع لم يسجله التاريخ؟
