دور متناقص لصندوق النقد في إطفاء الحرائق المالية

منشور 26 أيلول / سبتمبر 2018 - 10:09
صندوق النقد الدولي
صندوق النقد الدولي
مارتن ساندبو من لندن
 
صندوق النقد الدولي يتصدر الأخبار، ومثل أنواع أخرى من مكافحي الحرائق ومديري الأزمات، السبب ليس مُطَمئناً بالكامل.
 
يشعر الناس بقلق متزايد أن انهيار العملة في تركيا والأرجنتين قد يكون بداية مشكلات أوسع في الأسواق الناشئة. في مقابلة أجرتها "فاينانشيال تايمز" مع كريستين لاجارد، حذرت المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، من أن تصعيد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، التي يبدو أنه يحدث الآن، يُمكن أن يسبب صدمة جديدة للأسواق الناشئة.
 
السؤال الواضح على المدى القصير بالنسبة إلى المستثمر المتوتر، كما عرضت جيليان تيت في مقالتها الأخيرة، هو ما إذا كان الصندوق يملك الذخيرة لمواجهة هرب رؤوس الأموال على نطاق أوسع. والسؤال على المدى الطويل هو ما مدى متانة وضع صندوق النقد الدولي لأداء دوره التقليدي المتمثل في إضفاء الاستقرار على موازين المدفوعات المضطربة والتعامل مع هرب رؤوس الأموال في سوق مالية عالمية لا تزال تشهد تغيرات عميقة.

كما لو أن الأمر في انتظار إشارة معينة، نشر أربعة من مختصي الاقتصاد العالميين تحليلهم لحالة الصندوق الحالية والتوقعات في المستقبل، على شكل "تقرير جنيف" الأخير. العنوان، "إصلاح صندوق النقد الدولي: الأجندة غير المكتملة"، يقلل بالأحرى من نطاق التقرير، الذي يتضمن تاريخاً قوياً لما تغير على مدى العقدين الماضيين في الأسواق المالية، وفي ترتيبات الحوكمة الخاصة بها، وفي صندوق النقد الدولي نفسه. وهناك أيضاً، بالطبع، الحقيقة المهمة لما لم يتغير: "الأزمات لم تختف (...) لا تزال أزمات القرن الحادي والعشرين تتمحور حول حساب رأس المال لميزان المدفوعات وتدفقات رأس المال الدولية".

من بين الأشياء التي تغيرت، الأمر الذي له أهمية خاصة هو مناقشة التقرير لاثنين من التطورات. الأول هو صعود الصين. والآخر هو تزايد الترتيبات الإقليمية لإدارة أزمة ميزان المدفوعات. هذه تأتي على رأس التأمين الذاتي الوطني على شكل تراكم احتياطي من قِبل عدة بلدان، وتشمل تسهيلات البنوك المركزية لخطوط مبادلات ثنائية ومتعددة الأطراف "أوضح آدم توز في كتابه الجديد كيف تؤثر هذه في الاقتصاد السياسي الدولي" فضلاً عن إنشاء صناديق إنقاذ سيادية في منطقة اليورو.

التطوران مرتبطان بطبيعة الحال: استخدمت الصين خطوط المبادلات وسيلة لتعزيز دور عملتها، وبالتالي أداة في استراتيجيتها لتدويل الرنمينبي.
 

هذه التطورات، من وجهة نظري، يُمكن أن تكون قاتلة لدور صندوق النقد الدولي التقليدي بوصفه مدير أزمات من الدرجة الأولى. ذلك الدور يتعرض منذ فترة لضغط كبير، كما يشهد على ذلك تراكم البدائل. وبالطبع سمعة صندوق النقد الدولي مدير أزمات مؤهل تعرضت لضربة مستحقة، بسبب مشاركته في "إنقاذ" اليونان، وتوقعاته الضعيفة المتعلقة بالانتعاش العالمي.

إذا أضفنا إلى ذلك وجود علاجات بديلة لأزمات ميزان المدفوعات – مع اقتصاد صيني ذي ثِقل يجب استيعابه بالتأكيد في حوكمة صندوق النقد الدولي، لكن يبدو من المستحيل تحقيق ذلك بطرق يمكن أن تجدها الولايات المتحدة مقبولة - سيكون من الصعب رؤية كيف يُمكن لصندوق النقد الدولي تجنب التهميش النسبي. سيكون له دور دائم، بالطبع، لكن من المرجح أن يكون مدير أزمات واحدا من بين مديرين كثيرين، وهذا في حد ذاته يعني تغييراً نوعياً في مكانته ونفوذه.

ما الذي من شأنه أن يمنع مثل هذا التطور؟ يُحدد "تقرير جنيف" الطرق التي يُمكن لصندوق النقد الدولي من خلالها أن يتشارك بشكل أفضل مع آليات دعم ميزان المدفوعات الإقليمية، فضلاً عن إصلاح الحوكمة. يُركّز الأخير على منح إدارة الأموال مزيداً من الاستقلالية عن الممثلين السياسيين للبلدان الأعضاء، الأمر الذي يُمكن أن يكون خطوة نحو "تربيع الدائرة" فيما يتعلق بمنح الصين دوراً أكبر. "تأتي هذه المقترحات إضافة إلى توصيات مفيدة أخرى حول كيف يُمكن أن تؤدي عملا أكبر وحدها، من خلال رفع مستوى أدواتها واستعدادها للتصرف".

مثل هذه المقترحات جيدة إلى الحد الذي تقدر عليه، لكن قد تكون ضرورية وليست كافية للاحتفاظ بسيادة صندوق النقد الدولي. ربما لا يمكن ضمان ذلك إلا من خلال إصلاح أكثر جذرية بكثير، مثل منح صندوق النقد الدولي السلطة لإصدار عملة حقيقية فوق سيادية. لكن ليس من المرجح أن يحدث هذا؛ حتى المقترحات الأكثر تواضعاً الواردة في "تقرير جنيف" تبدو صعبة التحقيق من الناحية السياسية. ينبغي لصندوق النقد الدولي أن يبذل قصارى جهده، لكن المستقبل لا ينتمي إليه - أو ليس إليه وحده.

Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك