إلى أين يتجه الاقتصاد الأوروبي في 2019؟!

منشور 03 شباط / فبراير 2019 - 07:44
الصدمات التي تلقاها الاتحاد الأوروبي أخيرا، وما زال يتلقاها، قد أثرت في وضعه الاقتصادي بشكل ملحوظ
الصدمات التي تلقاها الاتحاد الأوروبي أخيرا، وما زال يتلقاها، قد أثرت في وضعه الاقتصادي بشكل ملحوظ

إلى أين يتجه الاقتصاد الأوروبي هذا العام؟ باختصار هذا هو السؤال الرئيس - اقتصاديا على الأقل - في جميع بلدان الاتحاد الـ 28 دون استثناء في الوقت الحالي.

والسبب في طرح هذا التساؤل بقوة وأولويته على غيره من الأسئلة، يكمن في حجم التحديات الاقتصادية العميقة التي تمر بها جميع دول الاتحاد الأوروبي بدرجات مختلفة.

يضاف إلى ذلك الشكوك المتصاعدة حول ما إذا كان التكتل قد أفاد بالفعل جميع البلدان الأعضاء اقتصاديا، أم أن منافعه الاقتصادية لم تعمم على الجميع.

المشكلة الرئيسة أن الصدمات التي تلقاها الاتحاد الأوروبي أخيرا، وما زال يتلقاها، قد أثرت في وضعه الاقتصادي بشكل ملحوظ، والأخطر أنها باتت تطرح تساؤلات حول جدوى التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وما إذا كان من الأفضل أن تسير كل دولة في الطريق الذي يختاره لها شعبها، بدلا من طريق التعاون الجماعي الذي يبدو من وجهة نظر معارضيه غير مجد، ولم يفلح في تحقيق نتائج اقتصادية يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعول عليها.

ربما لا تدعم التقارير الرسمية للاتحاد الأوروبي وجهات النظر السلبية تلك، فلا تزال الإحصاءات المعلنة متفائلة بشأن ما تصفه بالاتجاه الاقتصادي الإيجابي الراهن، لكن بوتيرة أبطأ.

فمعدل النمو الاقتصادي في عام 2017 تجاوز التوقعات وبلغ 2.3 في المائة، لكن من المرجح أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الى 2.1 في المائة عام 2018، ويواصل الانخفاض في 2019 إلى 1.9 في المائة، كما يحتمل أن تتفوق هولندا والنمسا وألمانيا على نظيراتها في التكتل خلال عام 2018، لكن معدلات النمو في البلدان الثلاثة ستتراجع في عام 2019، وما يليه.

ويعتقد الدكتور ريسكن كاند أستاذ الاقتصاد الدولي في مدرسة لندن للاقتصاد، أن "وجهة النظر الرسمية لا تأخذ في الحسبان مجموعة من التغييرات التي حدثت أخيرا، التي ستؤدي إلى تعقيد المشهد الاقتصادي هذا العام والأعوام المقبلة".

ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن هناك مجموعة من التغيرات التي يعتقد أنها ستترك بصمات سلبية على معدلات نمو الاقتصادات الأوروبية هذا العام والأعوام المقبلة، وستؤدي إلى انخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر مما تتوقعه الإحصاءات الرسمية.

ويشير كاند إلى أن "المفاجأة تمثلت في تراجع الاقتصاد الإيطالي إلى مرحلة الركود، ففي الربع الثالث من العام الماضي انخفض 0.1 في المائة، وفي الربع الأخير تقلص 0.2 في المائة، وسيستمر الانكماش هذا العام، وهذا سينعكس حتما على منطقة اليورو التي تضم 19 دولة".

ويواصل كاند قائلا، "إن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، وأيا كان شكله سواء عبر اتفاق أو دون اتفاق، فإن تأثيره سيكون سلبيا في بريطانيا أساسا، كما سيطول التأثير السلبي الاتحاد الأوروبي وإن كان بدرجة أقل".

ألن بيكر المختص في صندوق التحوط "جيه إيه إم"، يعتقد أننا في حاجة إلى مزيد من الوقت، لكي نفلح في رسم مشهد اقتصادي أدق لوضع الاتحاد الأوروبي هذا العام.

ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "على النقيض من إيطاليا، توسعت بعض الاقتصادات الأخرى في منطقة اليورو أكثر من المتوقع، حيث سجلت فرنسا وإسبانيا معدلات نمو بلغت 0.3 في المائة و0.7 في المائة على أساس ربع سنوي على التوالي، وإذا كانت الاضطرابات الاجتماعية في فرنسا ستؤدي حتما إلى خسائر اقتصادية ملحوظة في الأجل القصير، فإن الحزمة الاقتصادية الإيجابية التي طرحتها الحكومة لتهدئة الأوضاع ستضغط على الميزانية العامة كذلك، ولهذا لا بد من الانتظار لبعض الوقت وتحديدا حتى نهاية الربع الأول من هذا العام، حتى يمكننا الحديث بشكل يقيني عن مسار اقتصاد الاتحاد الأوروبي في 2019".

لكن بعض المختصين يعولون على نمو الإنفاق الاستهلاكي في بلدان الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعد الأساس المتين للتعافي في منطقة اليورو خلال عام 2018، وربما في السنوات المقبلة أيضا، ويعد ارتفاع معدلات التوظيف السبب الرئيس لهذا الاتجاه التصاعدي في الإنفاق الاستهلاكي.

ورغم أن معدلات البطالة في الاتحاد الأوروبي يتوقع أن تنخفض هذا العام لتبلغ 7 في المائة في المتوسط، فإنها لا تزال مرتفعة، ما قد يؤثر في مستويات الدخل والثروة وبالطبع الإنفاق الاستهلاكي خاصة للأسر.

الدكتور فيليب شيفر أستاذ الاقتصاد المقارن في جامعة جلاسكو، يعتقد أن التحدي الحقيقي بالنسبة إلى مستقبل اقتصاد الاتحاد الأوروبي، يكمن بشكل رئيس في عدم وجود إصلاح هيكلي حقيقي في منظومة الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يؤدي من وجهة نظره إلى تباطؤ النمو في الأجل المتوسط.

ويوضح لـ "الاقتصادية"، أنه "على الرغم من الإصلاحات التنظيمية التي اتخذها الاتحاد الأوروبي، في القطاع المالي خاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلا أن هناك هشاشة مالية لا يمكن إنكارها حتى الآن، فجميع الثغرات لم تسد بعد، والمخاوف من انفجار الفقاعة العقارية في بعض الاقتصادات الأوروبية الكبرى، والديون الإيطالية حيث تمتلك ايطاليا أكبر دين حكومي في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 2.3 تريليون يورو، وهي رابع أكبر دين حكومي في العالم، حيث يأتي عبء الديون كنسبة مئوية من النشاط الاقتصادي السنوي، في المرتبة الثانية بعد اليونان، وبنسبة 132 في المائة، ومن ثم فإن العقارات وديون إيطاليا يحملان في طياتهما بذور مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي".

ويشير شيفر إلى أن "مراهنة أوروبا على الحد من التراجع الاقتصادي، تعتمد على تحفيز الأسواق الاستهلاكية والصناعات التحويلية وصناعة السيارات التي تعد بالفعل أكبر الصناعات في عديد من البلدان الأوروبية، ومع هذا فإن البنية الاقتصادية مؤهلة لأن تحقق أعلى معدلات النمو الصناعي، خاصة في قطاع الخدمات والتكنولوجيا والإعلام والترفيه والخدمات المالية".

ووسط تلك التقديرات، فإن نقطة الإجماع الأساسية بين المختصين الأوروبيين تتمثل في الإشادة بأداء الاقتصاد الألماني، الذي يوافق الجميع على أنه حجر الأساس والضامن الحقيقي لعدم تدهور الوضع الاقتصادي في بلدان الاتحاد، وتحديدا منطقة اليورو في الفترة المقبلة، خاصة إذا خرجت بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، وتفاقم الركود الاقتصادي في إيطاليا، وأدت الاضطرابات الاجتماعية في فرنسا، وضغوط الحوافز التي منحتها الحكومة لتهدئة الأوضاع إلى تآكل النمو الإيجابي المحقق العام الماضي.

وحول الأسس التي تبنى عليها القناعة بشأن قوة الاقتصاد الألماني، وقدرته على مساندة مجمل البلدان الأوروبية إذا تفاقمت الأزمة الاقتصادية، يقول لـ "الاقتصادية"، مارتين فين الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا، "إنه على الرغم من توقع تباطؤ نمو الاقتصاد الألماني من 2.1 في المائة عام 2017 إلى 1.8 في المائة العام الماضي، فإن هذا المعدل أعلى من النمو المحتمل المقدر بنحو 1.5 في المائة، ويظهر ذلك أن هناك فجوة إيجابية في الإنتاج، وبالتالي يمكن القول إن الاقتصاد الألماني يتفوق على نفسه، بمعنى أنه ينتج بدرجة أعلى من القدرة القصوى المعترف بها للاقتصاد، ومعدل البطالة في ألمانيا منخفض حاليا لأدنى مستوى على الإطلاق منذ إعادة توحيد البلاد ونسبته حاليا 5.3 في المائة".

ومع هذا، يعتقد مارتين فين أن الاتجاه الإيجابي للاقتصاد الألماني، لا ينفي وجود تحديات تتمثل في افتقاره إلى العمالة الماهرة في بعض القطاعات، كما أن السياسات الأمريكية ذات الطابع الحمائي ستؤثر في الصادرات الألمانية بشكل غير مباشر، عن طريق دفع الصين إلى تقليص وارداتها الخارجية من ألمانيا.

وأشار مارتين فين إلى أن الحصافة المالية التي أظهرتها برلين في أوقات الرخاء، من خلال تقييد الإنفاق العام، ربما لا تعود فائدتها على ألمانيا فحسب، إنما قد تكون عاملا مساعدا للاتحاد الأوروبي على النهوض من كبوته إذا ما تعرضت اقتصاداتها لهزة غير متوقعة هذا العام.

اقرأ أيضًا: 

العالم على موعد مع عام من الركود الاقتصادي في 2019
هل أوروبا تعمل على محاصرة الدولار ؟!
أوروبا تقدم حزمة مساعدات لتونس بقيمة 305 ملايين يورو


 


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك