تغريدة من ترمب ستقلب أسواق الذهب.. كيف؟

تاريخ النشر: 15 يناير 2017 - 09:31 GMT
ارتفعت أسعار الذهب بنحو 5 في المئة حتى الآن
ارتفعت أسعار الذهب بنحو 5 في المئة حتى الآن

على الرغم من تراجع أسعار الذهب الجمعة الماضي، بعد أن بلغ أعلى مستوى له في سبعة أسابيع، فإن الزيادة في أسعار المعدن الأصفر قدرت خلال الأسبوع الثاني من الشهر الجاري بنحو 1.9 في المئة.

وصعد الذهب في المعاملات الفورية 0.2 في المئة إلى 1197.99 دولار للأوقية "الأونصة"، وارتفع المعدن الأصفر 2.1 في المئة منذ بداية الأسبوع.

وانخفض الذهب في العقود الأمريكية الآجلة 0.3 في المئة ليبلغ عند التسوية 1196.20 دولار للأوقية قبل عطلة في الولايات المتحدة يوم الإثنين، الذي ستغلق فيه السوق مبكرا.

وإذا كان التساؤل حول التوقعات المستقبلية للطلب على الذهب ومستويات الأسعار، سؤالا تقليديا مع بداية كل عام، فإن السؤال يحتل أهمية خاصة في عام 2017، جراء السياسات الاقتصادية التي يدعو إليها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب.

فسياسات الرئيس الأمريكي الجديد ترمي إلى زيادة قوة الدولار، وفي ظل العلاقة العكسية بين العملة الأمريكية والذهب، فإن المنطق الاقتصادي يشير إلى أن الانخفاض السعري يعد المصير المحتوم لأسعار المعدن النفيس، ومع هذا لا تبدو الصورة بتلك البساطة، بل تتضمن عديدا من العوامل المركبة التي أدت إلى تباين في آراء المختصين حول توقعاتهم المستقبلية لأسعار الذهب هذا العام.

وربما يعود تباين الآراء، إلى أن العوامل الاقتصادية المعتادة في تحديد سعر المعدن النفيس، باتت أكثر تأثرا بالمواقف السياسية الدولية، وهو ما يضع ضغوطا غير تقليدية على المعدن النفيس. ويصف لـ "الاقتصادية" هاورد روب المختص الاقتصادي الوضع، قائلا "إن تغريدة واحدة للرئيس ترمب كفيلة بقلب الأوضاع في أسواق الذهب العالمية رأسا على عقب".

إلا أن هذا القلق تحديدا من التقلبات السياسية المحتملة في المواقف الأمريكية من القضايا الدولية، يمثل - من وجهة نظر بعض المختصين - عامل الجذب الرئيسي في زيادة الطلب على الذهب، ليوجد ذلك توقعات بزيادة الطلب على المعدن النفيس في عام 2017، وما يعنيه ذلك من احتمال تجاوز الأسعار التقديرات الراهنة.

تشارلز إليوت الاستشاري السابق في مجلس الذهب العالمي يعتقد أن سياسة ترمب برفع سعر صرف الدولار لن تنعكس سلبا على الطلب على الذهب.

ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن أسعار الذهب في الشهر المقبل ستراوح بين 1196.20 دولار للأونصة أو أعلى قليلا من 1200 دولار، وبصفة عامة فإن مناخ عدم الاستقرار العالمي سواء جراء النزاعات الجارية في الشرق الأوسط، أو نتيجة اقتراب الانتخابات في عدد من البلدان الأوروبية المهمة من بينها فرنسا حيث اليمين المتطرف يكتسب مزيدا من الأرضية، ويصعد من تهديداته بمغادرة منطقة اليورو إذا فاز بالانتخابات.

وأضاف إليوت أن "الانتخابات المقبلة في ألمانيا وهولندا، والتدهور المقبل في العلاقات الأمريكية الصينية، والتناقضات الراهنة بين ترمب وطاقم الإدارة الأمريكية الذي اختاره وخلافه الشديد مع الاستخبارات، عوامل ستعود بالذهب إلى المربع الأول، كملاذ آمن يزداد الطلب عليه في وقت الأزمات". وأشار إليوت إلى أنه إذا تجاوز سعر الأونصة 1200 دولار فإنها ربما تنطلق سريعا إلى حدود 1300 جراء عدم الاستقرار السياسي العالمي.

لكن وجهة النظر تلك، لا تجد تأييدا كبيرا من قبل مارتن ماسن المحلل المالي في بورصة لندن، الذي يعتقد أن تلك المخاوف مبالغ فيها، وأن ارتفاع سعر صرف الدولار سيضعف الطلب العالمي على الذهب. وأوضح لـ "الاقتصادية"، أن سعر المعدن الأصفر سيبلغ هذا العام في المتوسط 1282 دولارا للأونصة، وسيراوح بين 1120 و1290 دولارا، "ويجب أن نأخذ في الاعتبار أنه من المرجح أن يرفع "الاحتياطي الفيدرالي" أسعار الفائدة الأمريكية ثلاث مرات هذا العام".

ويواصل ماسن قائلا "على الجبهة التجارية فإن الإدارة الأمريكية الجديدة تتحدث عن رسوم جمركية أعلى على الواردات، وتعهدت بإعادة النظر في عديد من الاتفاقات التجارية الموقعة في عهد أوباما، وهذا سيزيد سعر صرف الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، وسيؤثر سلبا في الطلب على الذهب".

وتعكس وجهات النظر المتعارضة تلك ما حدث في سوق الذهب خلال عام 2016، إذ أدى تصويت الناخب البريطاني لمصلحة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إلى أن يقفز الذهب إلى 1375 دولارا للأونصة، محققا أعلى مستوى له خلال العام، إلا أنه لم يفلح في الحفاظ على هذا المستوى لفترة طويلة.

تيليتش تومسون المختص الاستثماري في المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار يعتقد أن الذهب لديه فرصة جيدة هذا العام للحفاظ على قوة الدفع التي حصل عليها العام الماضي باعتباره أفضل المعادن أداء.

وأشار لـ "الاقتصادية"، إلى أنه منذ أن رفع "الفيدرالي الأمريكي" سعر الفائدة منتصف كانون الأول (ديسمبر) الماضي ارتفعت أسعار الذهب بنحو 5 في المئة حتى الآن، وخلال العام الماضي زادت صناديق التبادل التجاري "إى تي إف" احتياطاتها من الذهب بنحو 536 طنا أي ما يعادل 21.7 مليار دولار، وتلك هي الزيادة الأعلى منذ عام 2009، وعلى الرغم من أن صناديق التبادل التجاري الأمريكية انخفضت حصيلتها من الذهب خلال الربع الأخير من العام الماضي بنحو 40 في المئة مقارنة بالأشهر التسعة السابقة، فإن صناديق التبادل التجاري في المملكة المتحدة وآسيا والقارة الأوروبية شهدت تراجعا أقل بـ 14 و9 و1 في المئة على التوالي.

ويضيف تومسون أن "هذا العام سيشهد عاملا اقتصاديا مهما سيؤثر في الطلب العالمي على الذهب بشكل ملحوظ، فالفجوة بين السياسة المالية للولايات المتحدة في عهد ترمب وباقي العالم ستتسع، وأوروبا ستواصل السياسات الانكماشية التي تبنتها منذ خمس سنوات، والعجز الراهن في الحساب الختامي لدى المصرف المركزي الأوروبي يبلغ 3.6 ترليون دولار، وهذا يعني حتمية انخفاض سعر صرف اليورو، وسيدفع ذلك إلى زيادة الطلب الأوروبي على المعدن النفيس بشكل ملحوظ".

ويواصل تومسون قائلا "هذا التطور سيتزامن مع زيادة في أسعار الفائدة الاسمية، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم، وهذا سيدفع إلى زيادة الطلب على الذهب، لأن ارتفاع التضخم سيعني أن الزيادة الحقيقية في أسعار الفائدة ستكون أقل مما هو معلن عنها، ما يجعل الذهب أكثر جاذبية من العملات ومن سندات الخزانة ومن أصول الدخل الثابتة كملاذ آمن للثروة على الأمد الطويل".

ومع هذا تظل الكرة في الملعب الآسيوي، وسط مراهنات ملموسة من قبل المختصين كافة، بأن ارتفاع معدلات النمو في آسيا أو انخفاضها هذا العام سيكون محددا رئيسيا للاتجاهات السعرية للذهب.

جيمس أوتروم من اتحاد السبائك البريطانية يبدو متفائلا حيال مستقبل الذهب هذا العام، وينبع هذا الموقف الإيجابي من تقديراته بشأن نمو الاقتصادات الآسيوية. ويقول لـ "الاقتصادية"، "إنه على الرغم من أن التقديرات تشير إلى أن الاقتصاد الصيني قد يعاني انخفاضا في معدلات النمو، إلا أن ارتفاع معدلات النمو في الهند ومعظم البلدان الآسيوية، والتحسن النسبي في أسعار النفط ستزيد الطلب على الذهب بما يعوض أو يفوق الطلب الصيني المتراجع، وتزايد الثراء الآسيوي سيؤدي حتما إلى زيادة الطلب على الذهب سواء كان في شكل مجوهرات أو سبائك، وهذا ما يمكن ملاحظته من نصيب الهند والصين من الطلب على الذهب، الذي قفز من 25 في المئة من الطلب العالمي في تسعينات القرن الماضى إلى 50 في المئة في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة، وهذا ينطبق على بلدان شرق وجنوب شرق آسيا مثل الفلبين وإندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية وبالطبع فيتنام".

ويضيف أوتروم أن "الطلب الآسيوي سواء بالنسبة إلى المستثمرين أو المستهلكين سيزداد، حيث يقدر مجلس الذهب العالمي الطلب الآسيوي بنحو 60 في المئة من الطلب العالمي هذا العام، وهذا يعني أن التغيرات الاقتصادية الإيجابية في آسيا ستنعكس إيجابا على أسعار الذهب، حيث من المتوقع أن تلامس حدود 1300 دولار للأونصة هذا العام".

ويشير بعض المختصين إلى تطورات مستحدثة في سوق الذهب يعتقدون أنها ستقوم بدور ملموس خلال العام الجاري وربما تؤدي الى زيادة الطلب. تيم رادال الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا يشير إلى الدور المتزايد لصناديق المعاشات في بعض الاقتصادات الرأسمالية المتطورة مثل اليابان على سبيل المثال والدور الذي ستلعبه في زيادة الطلب على المعدن الأصفر.

ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن صناديق المعاشات في البلدان الغربية واليابان تزيد من استثماراتها في مجال الذهب، وهذا الاتجاه سيتنامى في السنوات المقبلة مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة في معظم الاقتصادات المتطورة، يضاف إلى ذلك توسع نطاق التمويل الإسلامي على المستوى العالمي، بما يعني أن ملايين المسلمين سيكون لديهم إقبال على الاستثمار في الذهب، ضمن أطر الشريعة الإسلامية.

اقرأ أيضًا:
توقعات بانخفاض مؤقت لأسعار الذهب بعد رفع الفائدة الأمريكية
تجار الذهب: اضطراب الأسواق العالمية يعرض الأسعار للمفاجآت
توقعات الفائدة الأميركية تضيق النطاق على أسعار الذهب