نبيل الملحم
مشكلة أبو عمار أنه رجل براغماتي .. ومشكلة الناس أنها ناس على صلة وطيدة بالحلم، والمشكلة الأكبر من المشكلتين، أنه لا يجوز للمشكلة الأولى أن تكون مشكلة أو تصنف كذلك تماما، كما الثانية لا يجوز أن تكون مشكلة أو تصنف كذلك، فالرئيس الحالم سائق غير ماهر والشعب السائق شعب تعوزه ذاكرة مشتهاة.
نقول ذلك ونستطرد قليلا فالحكيم ( ونقصد بالطبع جورج حبش ) خرج من وراء المقود مستقيلا ليسجل أول استقالة أمين عام لحزب أو سلطة أو تنظيم في التاريخ العربي المعاصر الذي لم يستقل فيه أحد وربما لن يفعلها أحد، وقد فعلها الحكيم لانه رجل ابتدأ بالحلم واستغرق في الحلم وذهب في الحلم إلى آخره وعندما تهاوى الحلم استقال.
- الأول (ولسنا هنا بصدد المقارنة) يصلح ليلعب بالسياسة، والثاني يصلح ليراود الحلم، والاثنان : واحد تعبير عن الحاجة وآخر تعبير عن الضرورة، وإذا ما امسكنا قلوبنا وسألناها فسنذهب إلى حاجات الناس لا ضرورات السياسة، وكان يمكن أن نقسم أن جمال عبد الناصر هو الأقرب للقلب، فيما الحبيب بورقيبة بات الاصلح للعقل، وهذا الاستخلاص قد يبدو مغامرا خاصة وأن كاتبه هو ممن انحازوا إلى الحلم حتى بات ينام على الكابوس، بعد أن باتت الدنيا فيه تصحو على الخازوق، وبسبب الخازوق فما طرحه بورقيبة ( وان كان ناتج اهتزاز سيكولوجي متعلق بقصر قامته ) ما طرحه في الستينات واعتبر خيانة آنذاك بات سقفنا الآن، وما كان محرما آنذاك صار عبادة استراتيجية ( أحيانا عباءة ) صعبة المنا ل الآن، ويبدو أن الدنيا هكذا فكل الحروب التي صنعتها البشرية واستهلكتها البشرية وأعادت إنتاجها البشرية بدءا من جنكيز خان وصولا إلى حروب شوارتزكوف لابد من نهاية لها، والنهايات في العادة واحدة من نهايتين فإما أن يفني العدو عدوه، وإما أن يفاوض العدو عدوه، وبعدهما تتنازل الرماح لحساب الكلام الذي لا يحدد في العادة إلا وفق موازين قوى، تخفض الصوت أو ترفعه، وتخفض القامة كما ترفعها.
سقف الناس وفي كل الحروب عال ولا سقف له، وسقف من على الطاولة سقف حسابي وبين السقفين معركة، والمعركة تتبدى الآن على المسار الفلسطيني:
الرئيس عرفات ( وحسب مصادر قريبة منه) يقول بان الفرصة سانحة للإقلاع مجددا بالمفاوضات ويبني حساباته على ميزان قوى يتحرك لحسابه وابرز ما فيه هو التالي:
- ايهود باراك في أزمة، والأزمة نتجت عن تعثره في الوصول إلى الحد الأدنى من السلام على المسار الفلسطيني، وتوقفه جزئيا على المسار السوري، وهزيمته كليا في جنوب لبنان، والأزمات إياها ملعب واسع للرئيس عرفات خاصة ذا ما اعتبرنا أن الانتفاضة الفلسطينية هي من اشد الهزائم التي ألحقت بباراك على الأقل أمام الرأي العام العالمي ، وأمام جنوده الذين اخرجوا من خنادق الجندي المحارب إلى رصيف البوليس الفار أمام الحجارة ، وهذه أزمة برسم باراك.
والرئيس الأميركي بيل كلينتون وخلال ولايتين متتاليتين لم يسجل نصرا واحدا يضعه في السجل الذهبي للولايات المتحدة، باستثناء تخليد سيجار مونيكا، الذي يمكن أن ينافس في نكهته وجودته سيجار ونستون تشرشل بفارق أن السيجار الأول كان كذلك بفعل حرب عالمية منتصرة والثاني كان من اجل رفة عين مختصرة ، والرئيس الأميركي الذي يسابق الوقت الذي سبقه يحاول، ونعتقد أنه جاد في محاولته أن يسجل شيئا للتاريخ، ومن المبالغة القول أنه سيسجل نصرا للسلام في الشرق الأوسط، ولكن من الواقعي القول إنه في الوقت الضائع قد يوصل إلى تفاهمات تؤسس لاتفاقات تالية وهذا طموح مشروع ومتأخر للرئيس الذي سيقف عما قريب أمام شاشات التلفزيون مثله مثلنا.
- والانتفاضة الفلسطينية ، هي انتفاضة من أجل أهداف وأهدافها المعلنة والمستترة تدور في إطار القدس عاصمة موحدة لفلسطين وعودة اللاجئين وإيقاف الاستيطان والمستوطنين وبالتالي فليست انتفاضة من اجل هواية رشق الحجارة ، فإذا ما استمرت الانتفاضة ، وذهب المفاوضون إلى مقاعد المفاوضين فهل فوق الموائد خيانة؟
مشكلة كبيرة أن يضع أبو عمار الانتفاضة في الثلاجة ويذهب ليفاوض ، ولكن إذا كانت البنادق فوق الطاولات والمتفاوضون فوق المقاعد فما الضير في ذلك، وكان لهوشي منه أن فعل ذلك فيما كانت سايغون تحترق والفيتناميون في حقول القصب والطائرات الأميركية تضرب وتضرب!
مع ذلك من حقنا تعديل الفكرة قليلا، والتعديل بين سقفين :
- سقف الناس الذين يريدون الحد الأعلى ، وسقف السياسي الذي يريد الحد الممكن ، فإذا ما حصل صراع بين الأعلى والممكن فالصراع مشروع وقلبنا مع الأعلى حتى لو وضعنا أقدامنا مع الممكن، ولكن الطامة الكبرى، أن يدخل الحوار من ليس له لا ممكن ولا أعلى، وكل ماله طاولة حديد هرمة، ووراءها شعارات هرمة، من اجل المزيد من الهرم لحالة تآكلت تحت وطأة بشر قرروا أن لا يفعلوا شيئا سوى أن يخاصموا ويختصموا فيما طواحين الهواء هي معركتهم، ولنحدد اكثر:
- المشكلة أن يدخل المعركة من لم يخضها أصلا ، فإذا كانت المعركة بين القيادات الميدانية للانتفاضة وبين السلطة الفلسطينية، فالمعركة جديرة بالاحترام والتأمل، والانحياز للقيادة الميدانية للانتفاضة، أما حين يدخل على خطها قوى قوتها في أنها أحرقت صندوق مالبورو فارغ في عاصمة عربية ومن وراء الطاولات الهرمة، فهناك نكبة ثانية بعد النكسة.
- ليتهم احرقوا صندوق مالبورو مليئا.. لهانت المسألة.