آراء مختلفة حول المملكة ونفطها
كتبت مجلة فورين أفيرز الأميركية في عددها الصادر في كانون الأول/ديسمبر الحالي مقالا حول أهمية المملكة العربية السعودية بالنسبة للولايات المتحدة وأوردت وجهات نظر مختلفة بشأن المملكة ونفطها.
تقول المجلة إن العلاقة الأميركية السعودية خضعت مؤخرا لفحص دقيق مع تساؤلات من بعض المحللين عن مركزيتها بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية. وقد أدى اكتشاف أن العديد من المشاركين في هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001م كانوا من السعوديين إلى نتائج حالكة في النظرة إلى نظام اجتماعي وسياسي ينتج مثل هؤلاء الإرهابيين.
لاحظ إريك رولو، الفيغارو الفرنسية، أن أزمة كبرى تختمر في المملكة العربية السعودية" وحذر بأن الغضب الشعبي في كل من الولايات المتحدة والسعودية ينذر بأخطار جسيمة لكل من البلدين وإذا لم تتم السيطرة على ذلك فإن التحالف بين البلدين قد يتمزق.
كذلك فإن التغيير الذي يشهده سوق النفط وصعود مصدّرين جدد أمثال روسيا يثير مجموعة مختلفة من الأسئلة. لذا فقد تحدى إدوارد مورس، خبير في الطاقة، وجيمس ريتشارد، مدير استثمارات، الفرضية القائلة بأن نفط الخليج العربي يبقى ذا أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة (المعركة من أجل الهيمنة على الطاقة، آذار/نيسان 2002).
وبالتأكيد أظهرت أحداث العام الماضي الحاجة إلى إصلاح سياسي واقتصادي في المملكة العربية السعودية من شأنه تعزيز الاستقرار في المملكة وفي الاقتصاد العالمي بصفة عامة. ومع ذلك فإن الافتراض بأن دول الخليج والسعودية تفقد أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة لا يحقق الأهداف المتوخاة في عدة قضايا.
أين يوجد النفط؟
تبقى منطقة الخليج محورية بالنسبة لسوق النفط العالمي وستصبح أكثر حيوية في المستقبل، كما أن واردات النفط الأميركية من خارج الشرق الأوسط سوف لن تغير هذه الحقيقة. فبحسب ملاحظات مورس وريتشارد فإن الولايات المتحدة والمستوردين الرئيسيين الآخرين.. أوروبا وجنوب شرق آسيا تشكل بمجموعها سوقاً واحداً يخضع للعرض والطلب وأن الطلب على النفط أخذ في الاتجاه التصاعدي منذ عقود عديدة من الزمن. ويمثل النفط حالياً 40% من استهلاك الطاقة في العالم ومن غير المتوقع أن ينخفض عن هذا المستوى في العشرين سنة القادمة.
أن الخيارات المتاحة لهؤلاء المستوردين محكومة بالأسعار وبالتالي لتلك الدول التي تملك احتياطات نفطية. ويتركز حوالي 60% من احتياطي النفط في العالم في منطقة الخليج وحولها.
كما أن السعودية بمفردها تعوم فوق 25% من احتياطي النفط العالمي، يليها العراق بنسبة 11% وكل من الكويت، الإمارات العربية المتحدة وإيران بنسبة 9% لكل منها. وقد انخفضت حصة هذه الدول في سوق النفط الخام العالمي بشكل كبير منذ السبعينات حين قامت دول أخرى بزيادة صادراتها من النفط لتفي بالطلب العالمي.
ومع ذلك فإن من غير المحتمل لهذه الاتجاه التنازلي أن يستمر إلى ما لا نهاية، بل على العكس من ذلك فإن من المحتمل أن تزيد حصة النفط الخليجي في السوق العالمية مرة أخرى بسبب الاحتياطات الهائلة للنفط في هذه المنطقة. ويمكن للإنتاج في الدول الأخرى أن يرتفع خلال العقد القادم ولكن الزيادة الرئيسية في الإنتاج في الفترة بين عامي 2010-2020م ستكون في الخليج العربي.
صحيح أن الاتجاه في أسعار النفط على المدى البعيد يعتمد بدرجة أقل على الاستراتيجيات السياسية والعسكرية وبدرجة أكبر على العرض والطلب، ولكن الأزمات على المدى القصير والتي قد تكون لها آثار اقتصادية كبيرة تأتي في بعض الأحيان من جراء حسابات سياسية وفي أحيان أخرى بسبب حوادث غير متوقعة.
والسعودية هي الدولة الوحيدة التي لديها القدرة في التأثير على هذه الأزمات إما من خلال وقف أو زيادة الصادرات النفطية، والولايات المتحدة تعتمد بدورها على تعاون السعودية للحفاظ على سوق مستقرة للنفط.
لا تستطيع روسيا بكل تأكيد لعب هذا الدور خلافا لإدعاء مورس وريتشارد بأن "مصادر الطاقة يمكن استخدامها لدعم أهداف موسكو لتصبح شريكا رئيسيا للولايات المتحدة". ففي الشهور التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر دخلت روسيا في خلاف مع منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC بسبب رفضها التقيد بطلب المنظمة تخفيض الإنتاج والتصدير بشكل كبير لتعزيز أسعار النفط. وبعد ذلك ألقى هذا الرفض الضوء على روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق كمصدرين بديلين للنفط عن دول الخليج غير المستقرة.من جانب آخر، كانت الفرحة في غير محلها لأن روسيا لديها الإمكانية للدخول إلى بعض الأسواق النفطية في أوروبا وآسيا كمصدر بديل ولكنها لا تستطيع أبداً الحلول مكان الشرق الأوسط كمزود عالمي للنفط.
كما أن الولايات المتحدة نفسها، حسب ملاحظة مورس وريتشارد، "ستبقى أهم قوة بمفردها في السوق النفطية" بسبب حاجتها الهائلة للنفط. وهي تشتري حاليا 3% من احتياجاتها النفطية من روسيا ودول بحر قزوين. وفي الأسواق الأوروبية والآسيوية حيث لروسيا موطئ قدم فإن الأخيرة لا تستطيع أن تثبت نفسها كمصدر مهيمن للنفط حتى لو زادت إنتاجها إلى 9-10 مليون برميل يومياً مرتفعة فوق الإنتاج الحالي الذي يبلغ 7 ملايين برميل يومياً.
وعلاوة على ذلك لا يشكل الاحتياطي النفطي الروسي أكثر من 5% من مجموع الاحتياطي العالمي وتعتبر هذه النسبة ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالاحتياطي النفطي في دول الخليج. كذلك لا يتوقع الروس اكتشاف المزيد من مصادر النفط المهمة. أما بالنسبة لدول الاتحاد السوفياتي السابق فإن كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي توجد في حوض بحر قزوين وتساوي في حجمها نفط بحر الشمال بالإضافة إلى توقع وجود المزيد في قازاخستان حيث حقل "كاشاغان" البحري الذي يقدر احتياطه من النفط بحوالي 22 بليون برميل وهو ضعف الاحتياطي في خليج برودهو في ألاسكا. ولكن حتى لو أضيفت هذه الكميات إلى كميات النفط الموجودة في المنطقة والأخرى المتوقع اكتشافها في روسيا، فإن روسيا وحوض بحر قزوين مجتمعتان سوف لن تكونا بديلتين عن النفط السعودي المقدر احتياطه المكتشف بحوالي 264.2 بليون برميل.
وأخيراً لدى السعودية ورقة رابحة وهي أن روسيا لا تدخر جهداً في الإنتاج, ويعترف مورس وريتشارد بأن احتياطات المملكة الإضافية التي ستستخدم كملاذ أخيرا أثناء أزمة قد تحدث في السوق النفطي تجعل "صانعي القرار في الأماكن الأخرى من العالم يتطلعون إلى الرياض من أجل تأمين الطاقة" وهذا ما يجعل "العلاقة الأميركية السعودية محورية". ومن جهة أخرى تنتج روسيا النفط وتصدره بأقصى طاقتها وستستمر في ذلك مما يهدد بخلق نوع من القلق المحلي.
ومما جعل الأمر أسوأ، أشار تقرير للطاقة صدر حديثاً عن الحكومة الروسية إلى أن مستويات الإنتاج الحالية إذا استمرت على ما هي عليه الآن ولم يتم اكتشاف احتياطات جديدة فإن النفط الروسي قد ينضب بحلول عام 2040م. ويعتبر هذا استنتاج يدعو إلى الصحوة.
يقظة في الخليج
تقدم أولويات الولايات المتحدة الأمريكية سببا ثانيا لاستمرار أهمية السعودية بالنسبة للولايات المتحدة، فقد دأبت الولايات المتحدة منذ نصف قرن على اعتبار نفط الخليج مصلحة أمنية رئيسية لها ومن غير المحتمل أن يتوقف ذلك في هذا العقد. وتتمثل وجهة النظر التقليدية الأميركية في الخليج في أن الاستراتيجية الأميركية والموقف العسكري يستندان أساسا إلى التأكيد على استمرار تدفق النفط بأسعار مناسبة. ولكن كما تظهر الوثائق الحكومية السرية للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، ركزت هذه الاستراتيجية على منع القوات المعادية من الاستيلاء على نفط الخليج والسيطرة عليه. فمنذ عام 1949 وحتى يومنا هذا ساور مخططو السياسة الأميركية القلق بشأن أن تظفر دولة معادية بثروة وقوة هائلة من خلال السيطرة على حصة الأسد في سوق النفط العالمية، ولذا تصبح هذه الدولة عدوة للولايات المتحدة. وبناء على ذلك سعت السياسية الأميركية في الإقليم إلى "حرمان" الأعداء من الاستيلاء على النفط وفي الوقت ذاته أكدت على استمرار تدفق النفط إلى الغرب.
وبالفعل قاد خوف الولايات المتحدة عام 1949 من أن يقوم الاتحاد السوفياتي آنذاك بالاستيلاء على نفط الخليج صانعي السياسة الأميركية للتخطيط لتحطيم المنشآت النفطية في المنطقة. فقد وافق الرئيس الأميركي الاسبق هاري ترومان، بعد التنسيق بين حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا وشركات النفط البريطانية، ولكن دون علم الحكومات العربية المحلية، على خطة وردت تفاصيلها على شكل توجيه من مجلس الأمن القومي يعرف بـ NSC 26/2 وأضيف إليه لاحقا سلسلة من الأوامر تعرف ب NSC. وتضمنت الخطة تخزين مواد متفجرة بالقرب من حقول النفط في الخليج سيتم اللجوء إليها كملاذ أخير في حالة ظهور إمكانية للغزو السوفياتي للمنطقة وذلك لتدمير المنشآت النفطية والمصافي وإغلاق مصادر النفط لمنع موسكو من وضع يدها على النفط الخليجي.
كان الخوف من احتمال سيطرة الاتحاد السوفياتي السابق على النفط قويا جداً لدرجة أن إدارة ترومان نظرت في مسألة نشر أسلحة إشعاعية لتدمير حقول النفط قبل احتمال وصول السوفيات إليها. ولكن هذا الخيار رفض عام 1950م حيث كشفت دراسة للسي آي إيه آنذاك عن خطة منطقية للمحافظة على مصالح الولايات المتحدة تتمثل في منع وصول الأعداء إلى نفط الخليج وفي الوقت ذاته المحافظة على النفط في الإقليم للاستخدامات المستقبلية من قبل الغرب.
وتضمنت خطة السي أي إيه كما جاءت في الوثيقة رقم NSC 26/2 بتاريخ 29 حزيران/يونيو 1950 ما يلي:
"إن نشر أسلحة إشعاعية في أبار النفط يعني حرمان العدو من استخدامها ولكن ذلك لن يمنعه من إجبار العرب على دخول المناطق الملوثة بالإشعاع وفتح الآبار وبذلك استنزاف الاحتياطي. وبناء على ذلك وبالإضافة إلى تأثير هذه الأسلحة على السكان العرب فإن الوسائل الإشعاعية لا تعتبر إجراءاً عملياً".
وتابع تقرير السي أي إيه "إذا قام الجيش الأحمر بغزو الخليج فإن الولايات المتحدة ستكون بحاجة للتأكيد على الحفاظ على المصادر النفطية المستقبلية بعد إعادة احتلال هذه المناطق من قبلنا".
في الخمسينات أدت هذه الحسابات إلى استراتيجية تتمثل في استخدام وسائل تقليدية لمنع السوفيات من احتلال منابع النفط في الخليج. فقد تم نقل المتفجرات إلى المنطقة وتخزينها بالقرب من حقول النفط. وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الأميركية أظهرت على ما يبدو تحفظها بأن الخطة قد تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للدفاع عن حكومات الخليج فإن الخوف من السيطرة السوفياتيه فاق هذه الهواجس. ففي عام 1957 وكرد على حالة عدم الاستقرار التي ظهرت بعد أزمة السويس عززت إدارة الرئيس أيزنهاور ووسعت هذه الاستراتيجية حيث أن عدداً من أصدقاء الغرب في المنطقة تعرضوا للتهديد من تنامي القومية العربية التي قادها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. وأخذت الولايات المتحدة بذلك تبدي المزيد من القلق.
وقد أدى ذلك بالرئيس أيزنهاور ليس لتوسيع السياسة الخاصة بعدم تمكين القوى الخارجية من النفط الخليجي وحسب، بل لتشمل أيضاً الأنظمة المعادية في المنطقة.
في أيامنا هذه، يشكل العراق وإيران إلى حد ما تهديدا للنفط حيث حلاً مكان الاتحاد السوفياتي السابق ويعتبران قوتان معاديتان في نظر الولايات المتحدة (على الرغم من أنهما تمتلكان بعض احتياط النفط في المنطقة). ومن الواضح أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة لشن حرب على العراق بعد غزوه الكويت عام 1990م هو اعتقادها بأن طموح وقسوة صدام حسين يمكن أن تنموا إذا ترك وشأنه كي يسيطر على الكثير من الثروة النفطية العالمية. وبالتأكيد فإن القلق الأكثر خطورة لدى الولايات المتحدة كان يتمثل في إمكانية استيلاء العراق على النفط السعودي. ومن غير المحتمل أن تسمح الولايات المتحدة لكلتا الدولتين بتوسيع سيطرتهما على الثروة النفطية نظراً لاعتقاد الولايات المتحدة الدائم بأن العراق تحت حكم صدام وكذلك إيران يمثلان تهديداً للمصالح الأميركية.
متنافسون استراتيجيون
في السنوات القادمة، يحتمل أن تواجه الولايات المتحدة تعقيدات إضافية في الخليج العربي بسبب تنامي الحاجة العالمية إلى نفط الشرق الأوسط والتنافس بين دول جديدة لحماية مصالحها النفطية الخاصة في المنطقة كالصين على سبيل المثال.
ويمثل النفط حوالي 30% من استهلاك الطاقة في الصين ويستورد هذا البلد 60% من حاجته النفطية من الخليج العربي وتشير التوقعات إلى أن هذه النسبة سترتفع إلى 90% في العقدين القادمين. ولذا فإن المصالح الاقتصادية الصينية والقلق بشأن الآمن المتعلق بالطاقة يمكن أن يؤدي بسهولة إلى احتمال ازدياد الانخراط السياسي الصيني في المنطقة. فقد بدأت الصين بالفعل الاستثمار في التنقيب عن الطاقة في إيران وبذلت جهوداً كبيرة في التفاوض للحصول على حقوق تطوير حقل نفطي في العراق. أما مصالح الصين في نفط بحر قزوين فقد ترجمت على شكل انخراط سياسي في آسيا الوسطى من خلال إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون مع روسيا وأربع دول في آسيا الوسطى بما فيها قازاخستان. ومع ذلك فإن الصين مجرد مثال على دولة واحدة للعقد القادم ولن تجد الولايات المتحدة من السهل التأثير ومنع الأنشطة التي تقوم بها كافة الجهات في الخليج العربي.
ومن المحتمل جداً أن تحتفظ الولايات المتحدة بقوات كبيرة في المنطقة نظراَ لمصالحها الأمنية الدائمة هناك. ولذا تستمر واشنطن بوضع أولوياتها على أساس الاحتفاظ بعلاقات جيدة ودائمة مع الرياض لأن القبول والتعاون السعودي يظلان ضروريان لأي وجود عسكري أميركي في المنطقة. ومن الممكن أن تقوم الولايات المتحدة بتخفيض عدد قواتها في السعودية أو تقوم على الأقل بإصدار تعليمات لهذه القوات بعدم الظهور بشكل كبير، ولكن من الصعب أن نتخيل أن الدول الصغيرة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تستطيع استضافة قواعد عسكرية أميركية دون قبول السعودية، وعلاوة على ذلك فإن خيارات الولايات المتحدة قد تتأثر بشدة إذا قامت السعودية بحرمان الطائرات الأميركية من التحليق في أجوائها أو منع القوات البرية الأميركية من شن عمليات انطلاقاً من الأراضي السعودية في حالة نشوب حرب مع العراق.
وأخيراً فإن الدور الرئيس الذي تلعبه السعودية نفسياً ورمزياً في حياة المسلمين في جميع أنحاء العالم لا يمكن التقليل من شأنه.
إن قيام مجموعات راديكالية غير حكومية تدعم العنف ضد الولايات المتحدة أمر مختلف جداً عن احتمال قيام حكومة متشددة في السعودية تستخدم منابر الوعظ في مكة التي يحج إليها ملايين المسلمين سنوياً في الدعوة ضد الولايات المتحدة باسم الإسلام. إن هذه النظرة وحدها تبدو أمراً منطقياً يدعم ما جاء في تقرير رولو الداعي إلى إقامة علاقات وثيقة بين الولايات المتحدة والسعودية من أجل مصالح كلا البلدين.
حليف لا يمكن رفضه
وفي نهاية المطاف يبدو واضحاً أن للولايات المتحدة مصالح مهمة للاستمرار في التعاون الاستراتيجي مع السعودية، ومع ذلك فإن منتقدي العلاقة السعودية الأميركية، على الرغم من خطأهم في الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى المملكة، يلقون الضوء على بعض المخاوف الحقيقة. وعلى الجانبين أن يعملا بجد لاستعادة الثقة بين شعبيهما وصناع القرار في البلدين، وسيحتاج السعوديون إلى نظام للإصلاح السياسي، التعليمي والاقتصادي ليس لمصلحتهم فقط، بل أيضاً لتحسين العلاقات بين السعودية وكافة دول العالم. وإذا رفضوا الإصلاح فإن ضغوطاً جديدة يمارسها الشباب السعوديون من العاطلين عن العمل ومعظمهم من المتشددين ستمثل تحديات خطيرة سواء كانت داخلية أم خارجية.
ولكن على الأميركيين الذين يطالبون بإصلاحات في السعودية أن يتذكروا أن التغيير السياسي لا يمكن فرضه من الخارج وخاصة من قبل الولايات المتحدة. العملية ستكون بطيئة، وفي الحقيقة فإن الوسيلة التدريجية هي الضمان الوحيد للتغيير السياسي. وليس هناك من عملية إصلاح يحتمل أن تؤدي إلى نتائج إيجابية دون تعاون من المملكة.
يجب أن يبدأ التغيير في الأنظمة التعليمية والاقتصادية. ففي المجال التعليمي، تعززت دعوة رولو إلى الحاجة الملحة لإصلاحات واسعة في السعودية بصدور تقرير من الأمم المتحدة مؤخراً حول التنمية البشرية في الوطن العربي. وصنف هذا التقرير الرصين المنطقة العربية على أنها سجلت "أدنى درجة" في العالم بالنسبة للحرية الفردية وأبرز الأنفاق الضئيل جداً على الأبحاث العلمية والتطوير التكنولوجي. إن إهمال الاستثمار في هذه القطاعات يؤدي بالرياض إلى إهمال الإمكانيات الاقتصادية لمواطنيها وإضاعة فرصة لإيجاد وظائف جديدة وتوفير العيش الكريم للشبان السعوديين الذين يمكن أن يتجهوا نحو التطرف. وبالإضافة إلى ذلك فإن على السعوديين فحص برامج مساعداتهم الدولية بدقة وخاصة للمدارس الإسلامية والجماعات خارج البلاد والتي من الممكن أن تهدد مصالح النظام نفسه.
كذلك يجب أن تتوسع الإصلاحات الاقتصادية لتشمل القطاع النفطي حيث سجل مورس وريتشارد نقطة حين أشارا إلى التناقض بين سيطرة الدولة المحكمة في السعودية والمناخ الأكثر ليبرالية في روسيا. وعلى الرغم من أن ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز أظهر مبادرة في السماح لبعض الاستثمارات الأجنبية في صناعة النفط السعودية، غير أنه يحاول اللحاق بروسيا. فالشركات الروسية تعمل بحرية أكبر حيث أن الشركات الخاصة وشبه الخاصة تحاول الآن تحويل نفسها إلى لاعبين دوليين من خلال تملك احتياطاتها الدولية والعمليات النفطية في الخارج بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة.
وأخيراً على الولايات المتحدة أن تنظر إلى أولوياتها في الشرق الأوسط إلى ابعد من العلاقة السعودية الأميركية إذا كانت تأمل في المساعدة على إيجاد بيئة مستقرة في السعودية من شأنها أن تدعم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
تؤكد الدراسات التي أجريت في المملكة أن الوعي العام داخل البلاد يتشكل بفعل وسائل الإعلام خارج العربية السعودية وليس بفعل الصحافة المحلية التي تسيطر عليها الدولة.
كذلك فإن المواقف تجاه الولايات المتحدة ترسم وفقا لما يقبله الأميركيون وبشكل أقل من سياسة أميركية ثابتة.
وبالفعل أشار 86% من السعوديين النخبة و 59% من عامة الشعب في استطلاع أجري مطلع عام 2000 إلى أن الإحباط من الولايات المتحدة يعود لسياساتها وليس بسبب القيم الأميركية.